كانت كلمة «حوار» من أكثر المفردات التي جرى استخدامها في الآونة الأخيرة. كلما اهتزت أو تفجرت الأوضاع في الساحات العربية المأزومة أو المشتعلة وما أكثرها، تنهال الدعوات والمناشدات والمطالبات على الأطراف المعنية لتوقف التدهور وتعود إلى طاولة التحاور فيما بينها. بل إن هذه الأطراف نفسها طالما سارعت إلى رفع الشعار ذاته، مع تكرار الحديث عن فضائله وضرورته وصوابيته. بل مع التشديد على أنه الخيار الوحيد الذي يحكم الجميع.
وكانت فعلاً تحصل حوارات. وكثيراً ما كان يردد بأنها قطعت أشواطاً بعيدة. وأحياناً كان يصار إلى زف البشرى بأن التوافق بات قاب قوسين أو أدنى. فجأة ومن دون سابق إنذار تنهار المفاوضات ويعود المتحاورون إلى خنادق التراشق المتقابلة، لتندلع من جديد حروب الاتهامات والتحديات. ومعها تعود الأوضاع إلى الغليان ثم إلى ما بعده من اشتعالات أو احتكاكات ومواجهات، كبيرة أو مفتوحة لا فرق. ومن جديد تعود لغة الحوار إلى السطح، وإلى الدوران مرة أخرى في الحلقة المفرغة ذاتها. وهكذا دواليك.
تعبت الساحات، العراقية والفلسطينية واللبنانية، من لعب هذه الأسطوانة. وهناك ساحات غيرها. ولو أنها هي الأكثر سطوعاً. وكأن الحوار فيها تحول إلى محطة للاستراحة، لا أكثر. ثمة ما يجعلها كذلك، لتبقى في دوامة تمنعها من بلوغ خواتمها المنشودة. وكأن هذه الخواتم من المحرمات أو المستحيلات؛ بالرغم من الحاجة إليها ومن الإقرار بهذه الحاجة، فالتجربة والمخاطر التي تلوح في أفق هذه الأوضاع، ناهيك بوقوفها على حافة الهاوية؛ كلها لم تشفع بالحوارات وتمكينها من تحقيق الاختراقات اللازمة. دائماً هي مهددة بانفجار المواجهات وبعودة الفلتان الأمني إلى الساحة.
آخر المشاهد في هذا المسلسل كان في غزة أول من أمس. الحوار جرى وانعقدت أولى جلساته، بعد التأزيم الأخير؛ وأعرب المشاركون عن شيء من الارتياح لمجرى الأمور. في الوقت نفسه كانت المواجهات تنفجر في شمال غزة بين «فتح» و«حماس»؛ ومعها عادت أجواء التوتر إلى القطاع وسارع الطرفان إلى حشد عناصرهما المسلحة، التي انتشرت في أكثر من مكان. كل شيء بدا وكأن هناك عوداً على بدء.
الدوامة نفسها سبق وأن مرّت على الوضع اللبناني الذي شهد حواراً ثم فتوراً أدى إلى عودة التوتر، الذي أعقبته جولة مشاورات انتهت إلى تجديد التراشق ولغة التخوين ومشتقاتها؛ مع كل ما ينتج عن ذلك من احتقان وتصعيد. وكان الوضع العراقي قد شهد مثل هذه الدورة ولو بصيغ المصالحات والتسويات. ناهيك بالسودان والصومال. في معظم هذه الحالات بقي السلاح والفلتان متجاورين مع الحوار؛ أو ما سمي كذلك. وهو أمر لا يستقيم؛ خاصة إذا كان التحاور يجري ليس على أساس الأخذ والعطاء؛ بل فقط على أساس انتزاع حلول مفصّلة على قياسات مرغوبة، جوّانية وبرّانية؛ وإلا فلا.
الحوار حاجة وضرورة وخيار وحيد، إذا ما كان الخلاص الوطني هو الهدف والغاية حتى الآن لم يحقق أية نجاحات، لأنه كان كل شيء ربما، إلا الحوار الرامي إلى بلوغ الحلول. وعلى المتحاورين أو المتحدثين عنه، الالتفات إلى عامل الزمن.