الصّور التي تابعناها طوال يوم أمس عبر الساحات اللبنانية، تحيلنا على مشهد ما فتئنا نعمل على نسيانه، ذاك الذي اندلعت شرارته حربا أهلية لبنانية استمرّت لعقد ونصف. ما حدث في لبنان أمس، من مظاهر عبر الشارع ومخلّفات في الجرحى والقتلى، تؤكّد أن الشارع لا يمكن أن يكون فيصلا في أيّ اختلاف بين فرقاء سياسيين داخل وطن واحد.
ما بقي في البال من أحداث لبنان التي دخلت أمس مسارا تصعيديا، هو أن العناد في السياسة يوصل الى الفوضى، وما شهدناه أمس لا يخرج عن نطاق وضى، قد تبدو خلاّقة للبعض وهدّامة للبعض الآخر.
المرحلة التي أقحم فيها السياسيون الفرقاء، وطنهم لبنان، لا تنتمي إلى حزمة الفكر السياسي ولا تمتّ إلى المؤسّسة بأيّ صلة.
إن تحكيم الشعب لا يكون إلاّ بالاقتراع وليس بالاحتراب والاحتكام الى الشارع.
ما يحدث في لبنان هو مشهد يحيد عن الفعل المؤسّساتي، فنحن في الوطن العربي نرنو إلى تأسيس «رأي عام» بأتمّ معنى الكلمة، علّنا نقطع مع مفاهيم مثل «الشارع»، لأنّ «الشارع» مفهوم دون المؤسسة ودون الفعل السياسي، وإلاّ لما رأينا مئات الآلاف بل والملايين في بعض الأحيان تجوب شوارع واشنطن وباريس ولندن، دون أن تمسّ مؤسّسة دستورية واحدة.
صحيح أن الوضع في لبنان، لا يسمح بأن تركن إلى فريق «الحكومة» لأنّ زلاّته كثيرة وأخطاؤه لا تغتفر في حقّ المقاومة والوطن، لما كان لبنان مستهدفا من قوّة خارجية، لكن المعارضة أيضا مدعوّة الى أن تعيد حساباتها، حتى لا يصبح الشارع هشيما والاعتراض على الحكومة ومعارضتها نارا تسري في الشارع، فتكون الكارثة.
والحقيقة، ما يبعث على الانشغال تجاه تطورات الوضع في لبنان، هي هذه الاستقالة الجماعية، للمثّقف العربي، الذي طالما اتخذ بيروت عاصمة الثقافة العربية، ملاذا وحاميا لفكره.
المظاهر التي شاهدناها في لبنان أمس، بعثت في الكثير من أبناء الأمّة والوطن خوفا.
خوف على لبنان وعلى مؤسساته، من عودة شبح الحرب الأهلية.
ما رأيناه أمس يتطلّب وقفة حكماء من أهل الفكر والثقافة حتّى يعي السياسيون الفرقاء، بأنّ هناك حدودا للإنفلات.