الرأي العام العالمي أعطى فتواه بأن النظام الأميركي أسوأ نظام في التاريخ، وتدنت شعبية الدولة العظمى إلى الحضيض، لكنها قادرة أن تنتشل نفسها بإدارة سياسية تعيدها إلى مناخ أقل تلوثاً كطبيعة الامبراطوريات والدول الأكثر نفوذاً في التاريخ، بغسل عارها بأقل التكاليف.
لكن من الذي أسوأ من أميركا وقيادتها وأسلوب تعاطيها مع القضايا الحساسة في كل المعمورة؟ إن مجرى السياسات العربية لا تقل سوءاً أو أكثر من السمعة الأميركية السيئة طالما تصرفت بعقل المستعمر الذي يريد فرض نفوذه بقوة الجيش وسطوة المال، بينما نحن العرب أصدرنا قرارات نافذة، أن يكون استيراد الرصاصة قبل ملعقة حليب لطفل رضيع، وجلب بندقية ومدفع ودبابة وطائرة، أهم من لقمة مواطن، ومدرسة مكافحة أميين، وجامعة تلتقي فيها عقول تخطط للمستقبل ببحوثها وإنجازاتها أسوة بما يجري من سباق عالمي.
كيف ننقذ سمعتنا الدولية ونحن نرى من يقتل الوطن لحساب الطائفة والزعيم في لبنان، وفلسطين والسودان وغيرها، ولا نجد سبباً إلا ذرائع أن طرفاً مع إيران وآخر مع أميركا ولا ندري متى ننزع عن أنفسنا حالة (التذيّل) إن صح التعبير، لقوى إقليمية وخارجية، ثم نتحدث عن مؤامرات ظلت السبب في خنق الوطن العربي، بينما ما نستورد من أسلحة تحولت إلى قتال في الشوارع وهدم لدور العبادة، والمدارس والجامعات، ثم نتحدث عن براءة لأنفسنا لأن من يقتل يعتبر عنصر عداء مع الأهداف الوطنية، والتي لا ندري من يحددها ويلتزم أخلاقياً بحمايتها؟!
(نيرون) أحرق روما، وصارت سابقة تاريخية كعار للتاريخ الروماني كله، لكن بروز أكثر من نيرون بيننا ممن يلبس خوذة العسكري، أو بنطال (الأفندي) وعمامة الشيخ، والإمام يفجر منشأة، أو يقتل عمّالاً، وطلبة، ومصلين، هو أكثر جريمة من كل سوابق التاريخ.
ماذا نقول للعالم الذي تعاطف معنا في القضية الفلسطينية، وأقام مظاهرات صاخبة من كل الأجناس في كل قارات العالم ضد الاحتلال الأميركي للعراق، وهو يشاهد الصراعات تنفجر بالداخل وتستهدف كل ما هو أملاك وطنية وإنسانية، والمبرر أنه لا توجد محكمة فصل نزاعات تقبل بها الأطراف حتى ننقذ من لم يكن سبباً في الجريمة، ويعلن براءته منها؟.
سيقول من يراقب حالتنا العربية، إن هذا الجنس البشري خارج حضارة العصور الوسطى وأنه قبل التأهيل، لابد من إعلان وصاية عالمية تنقذ الأبرياء من بطش المعتدين على حرمات الوطن والإنسان، وأن حقاً قانونياً يفرض أن تكون الأمم المتحدة وجمعيات حقوق الإنسان والبيئة، والتراث، وكل من له علاقة بإيقاف فوضى العنف أن يساهم بإنقاذ العرب والمسلمين من أنفسهم قبل أن تسير مواكب عنفهم إلى خارج دائرتهم، لتنتقل العدوى إلى بلدان متطورة تسعى لتحصين أجيالها من الأمراض العربية، وأن أمة تربي أجيالها على مناظر القتل والإعدامات والشنق ليسعى أطفالها لتقليدها، هي أمة بلا وازع أخلاقي أو ديني.