لن تثمر أي عملية تفاوضية يكون أحد طرفيها أسيرا لأجندة طرف ثالث. ولذا فإن مفاوضات أبومازن وخالد مشعل ستواصل الدوران في حلقة مفرغة طالما بقي رئيس السلطة الفلسطينية مرتهناً تماماً إلى الأجندة الإسرائيلية ـ الأميركية خاصة إذا كان ارتهاناً عن رضا.
ابتداءً كان مجرد إقناع الرئيس الفلسطيني بقبول التحدث إلى رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» مشكلة جاهد الوسطاء على مدى أيام طوال للتغلب عليها. وبينما لم يثمر اللقاء في دمشق أي نتيجة إيجابية نهائية فإن ثمة مؤشرات ذات دلالة كانت تؤشر مسبقاً في اتجاه الفشل.
فعلى خلفية استمرار الجهود المضنية التي كان يبذلها الوسطاء من أجل تحقيق اللقاء ظهر فجأة محمد دحلان في مؤتمر صحافي في رام الله حيث شن هجوماً استفزازياً على حماس.
وبينما عرض دحلان نفسه على المراسلين كما هو دأبه وكأنه حامي حمى فصيل «فتح» والسلطة الفلسطينية ورئيسها أبومازن فإن اللافت انه لم يكن لعقد المؤتمر الصحافي مناسبة محددة أو مبرر، وربما كان المبرر غير المعلن هو خلق مناخ يحول دون عقد لقاء دمشق بين رئيس السلطة ورئيس حماس.
يقول ممثلو طرفي اللقاء ومعهم الوسطاء إن العقبة العظمى التي تمنع تبلور توافق نهائي بين السلطة وحماس هي مسألة الاعتراف بإسرائيل أو بالأحرى رفض حماس الاعتراف مع إصرار أبومازن عليه.
ومن المؤشرات المثيرة في هذا السياق بالتحديد أنه بينما كانت تبذل الجهود لتحقيق لقاء دمشق فاجأت الدولة الإسرائيلية العالم بإعلانها تحويل مئة مليون دولار إلى أبومازن وسلطته من حصيلة أموال الضرائب الجمركية الفلسطينية التي تحتجزها السلطات الإسرائيلية.
وإذا كان الإعلان في حد ذاته مثيراً خاصة من ناحية توقيته فإن الشرط الإسرائيلي الذي ترافق معه ليس بأقل إثارة. فقد ذكرت السلطات الإسرائيلية أن المبلغ ليس مخصصاً لدفع متأخرات رواتب الفلسطينيين وإنما هو مخصص فقط لدعم «الحرس الرئاسي» ـ القوة العسكرية الضاربة لرئيس السلطة الفلسطينية ـ لتمكينها من تسديد ضربة قاضية لحركة حماس.
هذا المؤشر سبقه مؤشر مماثل عندما زارت كوندوليزا رايس رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله لتؤكد له ما وعدت به واشنطن من مساعدة لدعم الحرس الرئاسي بمبلغ 86 مليون دولار، وكان من نتائج تلك الزيارة وعد من رايس أيضاً بترتيب اجتماع «غير رسمي» بين أبومازن ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت.
ما يستخلص من هذه المؤشرات هو أن رئيس السلطة الفلسطينية يتلقى مكافأة أميركية إسرائيلية على صموده في استمرار الاعتراف بإسرائيل دون مقابل ومواصلة البقاء على هذا الاعتراف والاستماتة دونه كمبدأ غير قابل لأية مساومة تفاوضية.
هذه إذن هي الصخرة الصماء التي تصطدم عندها اللقاءات التفاوضية بين رئيس السلطة وقيادة حماس. لأن أبومازن يظل على الدوام ملتزماً بأجندة الطرف الثالث ـ وهي أجندة لا تقبل المساومة.
لحسم هذه المسألة يقترح أبومازن إجراء انتخابات نيابية ورئاسية جديدة. لكن نتائج الانتخابات قد لا تؤدي إلى حسم نهائي لأن القضية قد ترتد إلى المربع الأول إذا اكتسحت حماس الانتخابات مرة أخرى.
ما يحسم القضية بصورة قاطعة ونهائية ليس عملية انتخابية وإنما عملية استفتاء عام تعرض من خلاله مسألة الاعتراف بإسرائيل على الشعب الفلسطيني ليقول كلمة واحدة ومحددة: اعتراف أو لا اعتراف.