لم يكن ما تناقلته وسائل الإعلام مؤخرا عن طرح قانون حول النفط العراقي يتضمن اتفاقات تقاسم إنتاج لمدة 30 سنة مفاجئا، فالحديث عن قانون مشابه كان قيد التداول حتى قبل شن الولايات المتحدة الأميركية حربها على العراق في مارس 2003.

وقد أشارت إلى هذا تقارير عديدة أكدت على أن نقاشا بهذا الشأن كان يتم بين مجموعة من العراقيين الذين ساندوا الغزو وقوات الاحتلال، وان التوجهات المنوي فرضها تستهدف إنهاء السيطرة الحكومية على الاحتياطيات النفطية الهائلة في العراق وتشكيل نموذج يحتذى به كبديل عن تأميم النفط، هذه السياسة التي صبغت العالم في إطار سيطرة الدول النامية على مواردها الطبيعية وتأكيد سيادتها الوطنية ضد النهب الاستعماري.

لذا ومنذ تأميم النفط العراقي في عام 1972، وشركات النفط الأميركية والبريطانية تسعى جاهدة للعودة إلى امتيازاتها السابقة، وقد شكلت أحداث 11 سبتمبر الفرصة الذهبية لعودتها مع دبابات الاحتلال خصوصا وان مستقبل السوق النفطية كان يثير قلقها في ظل ارتفاع الطلب على الطاقة والتنافس على مصادرها وضرورة تحركها سريعا للانقضاض على منافسيها من الشركات الأجنبية من فرنسية وروسية والتي كانت قد حصلت على امتيازات بترولية هامة من النظام العراقي السابق.

اضطرت هذه الشركات النفطية إلى الانتظار مدة طويلة لتنتهي العملية السياسية في العراق ولتتشكل حكومة معترف بها دوليا في مايو 2006، الأمر الذي شكل الأرضية المناسبة للتفكير في طرح القانون على البرلمان العراقي، خصوصا وان صندوق تنمية العراق الذي تم إنشاؤه بقرار مجلس الأمن 1483 لعام 2003 والتي تصب فيه إيرادات النفط العراقية سوف يعاد النظر فيه في ديسمبر 2007 وقد يعمل على إنهاء صلاحيته حسبما دعا قرار مجلس الأمن بهذا الشأن.

ويشكل إدارة النفط وعوائده جزءا من دستور البلاد القائم على المزج بين المركزية واللامركزية في إدارة النفط واقتسام إيراداته بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الأقاليم والمناطق المختلفة. والمتتبع لبنود الدستور لا يمكنه إلا أن يلاحظ الالتباس في الصلاحيات الذي تحويه بنوده بالإضافة إلى وجود إبهام حول حق إدارة حقول مشتركة وحقول أخرى مكتشفة ولم يجر تطويرها وتشكل أساس صناعة النفط المستقبلية للبلاد.

في ما يبدو عملا مقصودا الهدف منه خلق الصراعات بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم وبين الأقاليم في ما بينها والسماح بتدخل طرف ثالث لحل النزاعات، وهو ما قامت به وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس مؤخرا مع إقليم كردستان في نزاعه مع الحكومة الفيدرالية حول دخول الإقليم في عقود تنقيب وتطوير لقطاع النفط مع شركات أجنبية، مشيرة إلى أن «إصرار الأكراد على سيطرتهم ببساطة على جميع الموارد النفطية لديهم لا يعمل به القانون».

وهناك من يشكك بإمكانية تمرير هذا القانون في البرلمان العراقي على الرغم من حاجة العراق الملحة إلى أموال لإعادة الإعمار واعتماده الكبير على قطاع النفط في ذلك. وبمعزل عما يتضمنه القانون من عروض سخية تتعدى ما هو معمول به عالميا بإعطاء حصص كبيرة من الإيرادات النفطية ونسب الأرباح والإعفاءات الضريبة وحرية تحويل الأرباح ونقل قرارات التحكيم إلى خارج البلاد.

وغيرها من البنود التي تنتقص من إمكانية سيطرة العراقيين على مواردهم النفطية التي أكدت عليها قرارات مجلس الأمن مرارا وتكرارا، فإن الأمر المؤكد أنه يحتاج إلى موافقة البرلمان العراقي كي يمر، وهو الاحتمال الذي تحذر منه صحيفة الاندبنت، حيث تتخوف من أن يغلق العراق على احتياطيات نفطه لعقود قادمة في إطار شروط مجحفة، خصوصا وان المرجح هو ألا تبدأ الشركات النفطية الكبيرة في العمل إلا بعد سنوات وحين تنجلي الأوضاع السياسية ويكون قد سبق السيف العزل بالنسبة للعراق.

والمفارقة انه في الوقت الذي تتجلى الأبعاد الحقيقية للحرب لدى العراقيين بأنها عملية استغلال منظم لمواردهم وخاصة النفطية، يزيد شعور الولايات المتحدة بالمستنقع الذي أوقعت نفسها فيه ومدى انكشاف سياساتها ليس فقط للشعب العراقي إنما أيضا للرأي العام الأميركي والعالمي الذي ترتفع أصواته يوما بعد يوم معارضا للحرب.

واللافت انه في حين تتقدم في هذا الجزء من العالم اتفاقات لاقتسام الإنتاج النفطي، تعيد العديد من الدول اللاتينية حساباتها بعد الخسائر الفادحة التي تكبدتها نتيجة تحرير منشآتها النفطية. ومهما حاول الأميركيون أن يقدموا أسبابا أخرى فإن الواقع يؤكد أن السبب الرئيسي للحرب في العراق هو السيطرة على منابع النفط.