عندما يتعلق الأمر بالتدخل في الشؤون الخارجية، فإن الولايات المتحدة تتعرض للنقد سواء تدخلت أم لم تتدخل. منتقدو الولايات المتحدة يشرعون دائما في مهاجمتها بسرعة. وفي ظل مجتمع العولمة الذي نعيشه، فإنهم أضحوا قليلي الصبر بشكل متزايد.

ليست الخريطة الجيوسياسية للعالم هي وحدها التي تغيرت، وإنما الشعوب في كل مكان بالعالم هي الأخرى قد تغيرت. العولمة أثرت الكرة الأرضية بشكل لا يصدق وأدت إلى زيادة المطالبة بالكمال في كل شيء. وبفضل وسائل الاتصالات التي لا تتوقف، فإننا نعلم على التو عندما لا تتم تلبية تلك التوقعات.

شعوب العالم تتوقع أن يجري علاج مشكلات مخيفة مثل زلزال في باكستان أو موجة تسونامي في اندونيسيا أو حرب في دارفور في غمضة عين تماما كما يرسل هاتف نقال صورة رقمية أو عندما يتلقى جهاز كمبيوتر معلومات من الانترنت. ويشار بأصابع الاتهام إلى أميركا عندما لا يتم التوصل إلى حل.

نعم لا يوجد طرف واحد في العالم، ولا حتى أقوى دولة وهي أميركا ، يستطيع إرساء الديمقراطية في بلد عانى طوال 30 عاماً من الأعمال الوحشية والآن يعاني انقساماً مريراً بسبب ما يقترف هناك من جرائم.لا توجد هناك أشعة غير اعتيادية يمكنها محق القوة النووية الكورية أو الإيرانية بضغطة زر واحدة.

وبشكل مؤسف يتعين القول إن الأزمة في دارفور ربما تستمر بشكلها الدموي الحالي سواء أقدمت الولايات المتحدة على عمل استباقي أو تصرفت بمفردها أو نجحت في تشكيل تحالف هائل لعلاج المشكلة. لقد زاد الاعتماد العالمي على الولايات المتحدة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. وبينما لا يود أحد العودة مرة أخرى إلى الحرب الباردة أو التحدث عنها، إلا أنه ينبغي القول إن موسكو التي تحكم بقبضة من حديد، قد استقطبت لصفها العناصر الشريرة في العالم على المستويين القبلي والديني.

عندما قررت إدارة بوش غزو العراق في مارس 2003. تم اتهامها بأنها تتجاهل حلفاءها القدامى وتستهين بالأمم المتحدة. ومن ثم فإنه في الأزمة التالية، انتظرت الولايات المتحدة المنهكة دور الأمم المتحدة كي تراقب الموقف النووي لإيران.

وفي مكان آخر من العالم، وفي الوقت الذي هددت فيه كوريا الشمالية بإطلاق المزيد من الصواريخ، حاولت أميركا أن تجد حلولا إقليمية للأزمة، من خلال ما أطلق عليه المباحثات السداسية التي تضم اليابان وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية والصين روسيا وأميركا. ولكن لم يتم التوصل إلى الكثير في هذا الصدد. وظهر تبجح وعدم صبر منتقدي بوش عندما قالوا إن إدارة بوش النائمة تستورد حلولا من الخارج وتتنصل من مسؤوليتها تجاه قيادة العالم.

لقد رأينا الأمر ذاته يحدث في دارفور أيضا حيث امتلأت الدنيا بالصراخ والعويل كي تقوم الولايات المتحدة بفعل شيء في الحال تجاه ما يجري من إبادة جماعية هناك. غير أنه بحكم ما جرى في التجارب السابقة، فإن الأميركيين اختاروا ألا يتصرفوا بشكل استباقي. فإذا كنا نعتقد أن الفوضى الآن تعم أفغانستان والعراق، فلنتخيل ماذا سيحدث إذا تم إرسال قوات من المارينز الأميركية إلى منطقة القرن الافريقي من أجل إنقاذ ضحايا العنف القبلي والقتلى وذلك في الوقت الذي وعد فيه تنظيم القاعدة بإرسال المزيد من التعزيزات.

قد يكون من الصعب على الجيل الجديد من شعوب العالم الذي يتسم بعدم القدرة على الصبر ـ قد يكون من الصعب عليه تقبل الحقيقة التالية: لا توجد هناك حلول بسيطة وسريعة بتكلفة بسيطة في عالم اليوم المتماسك تقنيا بشكل قوي للغاية والمتشرذم سياسيا.

إن أميركا التي تفتقد الراحة وشعوب العالم التي لا تتوقف عن المطالبة بكل شيء ستضطران إلى قبول حقيقة مفادها أن أميركا، وليس جورج بوش المرعب وحده، لا توجد لديها إلا خيارات سيئة وأكثر سوءا من المتوقع في كل من أفغانستان ودارفور ولبنان وإيران والعراق وكوريا الشمالية والصومال والضفة الغربية.

إن ما يثبت نجاحه ضد المتشددين أو الطغاة لا ينجح دائما مع الآخرين. والتعامل بشكل جماعي أو انفرادي أو استباقي ـ كل هذه الأشكال من التعامل لا تحمل أي مضامين أخلاقية داخلية وإنما هي عبارة عن إستراتيجيات مختلفة لكم هائل من المشكلات التي تستعصي جميعها على المعالجات البسيطة السهلة للأمور.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تبين أن الحذر على المدى البعيد هو أكثر خطورة من التدخل على المدى القصير. الناس ستموت يوميا وستعرض صورهم على شاشات «سي إن إن» بصرف النظر عما نفعل. ما هو الشيء المستقر الوحيد في هذا المجتمع المتعولم المرتبط الأوصال تقنيا والمتشرذم سياسيا؟ الوالد الأميركي المذعور سيبذل قصارى جهده، إذ إنه مُلام سواء أقال لا أم نعم، أو صدرت منه أي إجابة أخرى.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»