اختتم مؤخراً مؤتمر الدوحة للحوار بين المذاهب الإسلامية الأربعة والبحث عن السبل الكفيلة بوحدة عملية للأمة، معتبراً أن الجهود التي انطلقت منذ ما يقارب من قرن من الزمان في سبيل توحيد الأمة الإسلامية تكتسب اليوم أهمية حيوية بالغة بسبب الأوضاع المعقدة والمتدهورة على جميع الأصعدة في معظم الدول الإسلامية.
ويفاقمها إلى حد كبير وبصورة خطيرة عوامل الفرقة والنزاع التي تعيشها المجتمعات الإسلامية، ولقاء الدوحة الذي رمى إلى بحث دور التقريب في الوحدة العملية للأمة يأتي في وقت تتزايد فيه حاجة الأمة إلى حوار حقيقي وعملي وصادق وصريح بعيداً عن الشعارات والخطابات والمزايدات التي سأمتها الشعوب العربية والإسلامية.
كما أن هذا اللقاء ركز على مسألة التخلف المتمثل في النزاع العرقي والطائفي والمذهبي بين أبناء الأمة الإسلامية الذي يعتبر أخطر التحديات المعاصرة إضافة أوضاع التخلف الاجتماعي في صوره المختلفة الاقتصادية والسياسية والعلمية والتكنولوجية وهي تحديات كبيرة وخطيرة تعرقل تقدم الشعوب الإسلامية ودولها.
والفكرة من هذا المؤتمر أن الشريعة الإسلامية وخصائصها تتمتع بالتسامح وحرية الاجتهاد والفكر، وأن التنوع ظل سمة ملازمة لهذه الشريعة السمحة. وهذا التنوع أسهم إسهاماً إيجابياً في إثراء الفكر الإسلامي وعطائه الحضاري، ونعم به المسلمون كما نعمت به الأمم المختلفة، وأنه مطلوب وينم عن مرونة هذا الدين ويسره وحرصه على رفع الحرج عن البشر حتى شاع بين الأمة الأثر الشهير «اختلاف أمتي رحمة».
أما أن يتطور التنوع إلى التفرق فهذا هو المذموم والمرفوض في الإسلام، ولم يغب عن المؤتمر والمؤتمرين التأثير السياسي في توظيف الدين لتبرير الكثير من الممارسات والذرائع التي تستخدمها أطراف وطوائف مختلفة كغطاء شرعي للوصول إلى أهداف محددة. فالأصل أن تنوع الاجتهاد ضروري لمرونة الأحكام الشرعية والتيسير على المؤمنين والمؤمنات ورفع الحرج عنهم.
وأن تاريخ التفرق بين المذاهب يشهد بحقائق كثيرة تدلل على أن الدعوة للتفرقة سببها سياسي لا علاقة لها بالدين والفقه لأن الشرع حسب رأي كثير من المؤتمرين لا يعرف التفرقة بين الناس، وأن تعدد المذاهب ليس سوى نتيجة لحرية الاجتهاد في الفقه الإسلامي. وبالتالي جاءت الدعوة من المؤتمر لإبراز أهمية تجاوز الخلافات المذهبية ذات الجوهر السياسي التي توظف الدين للاغراض السياسية توخياً لمصالح آنية لا تصب في المصلحة المشتركة للأمة في تعامل أبنائها مع بعضهم البعض.
في نفس الوقت اعتبر الاختلاف الفكري والاجتهادي والسياسي والعقائدي في الوسط الإسلامي على أنه ظاهرة صحية أو مرضية على حد سواء وفق ما ينظر إليه من واقع النصوص الشرعية أو حسب الدواعي التي تقتضي الاجتهاد والتأمل للتوفيق بين معطيات النص وظروف الحياة وتطور الأوضاع أو حسب الانقسامات السياسية ودوافع الواقع تمشياً مع حدة الأحداث وخفتها وتأثراً بالتيارات الثقافية والعلوم الوافرة والفلسفات والمعتقدات المجاورة.
كما تطرق المؤتمر لظاهرة خطيرة تفشت في عالمنا الإسلامي ألا وهي ظاهرة التكفير. في هذا المجال تم التأكيد على تحريم التكفير المتبادل بين المسلمين على قاعدة أن الاختلافات بين المذاهب الرئيسية لا تعدو أن تكون اختلافات في وجهات النظر واجتهادات تخطئ وتصيب.
بالرغم من ذلك اعترف المؤتمرون أن هناك عقولاً ضيقة الأفق تميل إلى التعصب لما تقتنع به وتعتقد أنه هو الحق الذي لا مراء فيه، وللتقريب بين المذاهب الإسلامية المختلفة من خلال التعايش دون التعصب أو الخصومات ليتحول إلى مصدر ثراء فكري يعود بالفائدة على مسيرة الفكر الإسلامي لأن الهدف هو التقارب لا التباعد والتآلف لا التنافر والتعاون لا التدابر.
لذلك كان واضحاً من الحوارات في هذا اللقاء الهام أن جوهر المشكلة بين المذاهب الإسلامية يكمن في قضية التعصب والتكفير التي تعكر صفو الوحدة العملية للأمة. فكيف السبيل إلى إزالة سوء الفهم والقضاء على التعصب المذهبي لدى كل الاتجاهات للوصول إلى وحدة عملية للأمة الإسلامية؟.
بداية أجمع معظم المؤتمرين على ضرورة الحوار باعتباره السبيل الأمثل للقضاء على الأحكام المسبقة والمفاهيم المغلوطة والأفكار الخاطئة لدى كل طرف، وأنه اللغة الحضارية الوحيدة التي تليق بالإنسان، وأنه يتيح الفرصة لتبادل الأفكار وإزالة ما استقر في الأذهان منذ قرون من سوء فهم كل طرف للطرف الآخر.
وبهذا الخصوص لابد من التنويه على أن الأمة الإسلامية وعلماءها الذين يدعون للحوار مع الآخر المختلف من الديانات السماوية فأولى بالمسلمين أن يمارسوا الحوار الإسلامي - الإسلامي لأن استمرار الجفوة والنفور بين المذاهب الإسلامية يضعف الأمة ويفقدها التعاون فيما بينها ويطمع أعداءها.
ثانياً نالت مسألة التقريب بين المذاهب في دعم الوحدة العملية للأمة أهمية بالغة لدورها في توحيد جهود الأمة. لا شك أن المذاهب الإسلامية قد ترسخت في نفوس وعقول أتباعها منذ زمن بعيد وأصبح لها عمق متجذر في وجدانهم، ومن هنا فإن المهم الوصول إلى الأعماق من خلال الجهود الصادقة للتقريب بين هذه المذاهب وإشاعة روح التسامح والتفاهم المشترك والبعد عن الصراعات المذهبية السابقة التي أضرت بالأمة وأخرت مسيرتها وعطلت نهضتها.
في هذا السياق كان لا بد من التأكيد على أن جهود التقريب بين المذاهب الإسلامية في إطار المجال النظري فقط أو أن تبقى في إطار الصفوة من العلماء في القاعات المغلقة، ذلك لأن الهدف هو أن تمتد هذه الجهود لتصل إلى القاعدة العريضة التي تشكل جسم الأمة.
إضافة إلى ما ذكر أعلاه كانت هناك بعض التوصيات الأخرى التي تصب في التقريب بين أبناء الأمة الواحدة على قاعدة أن ما يجمع أبناء الدين الواحد أكثر وأهم بكثير من التفاصيل الصغيرة التي تبعد بين أبناء الأمة.
ولكن وبالرغم من هذه الجهود والمؤتمرات واللقاءات الهامة والمطلوبة باستمرار لحل الخلافات المذهبية بين أبناء الأمة الواحدة لا بد من الدخول في عالم السياسة ليس لتسييس الدين أو أسلمة السياسة ولكن لأن الواقع السياسي في العالمين العربي والإسلامي أثبت قدرته على إفشال جميع المشاريع العملية التي تصب في توحيد الأمة حتى ولو على المستوى الفكري.
بمعنى أن غياب الحريات والنظم السياسية الديمقراطية والافتقاد لثقافة الحوار الحر والديمقراطي بين أبناء الأمة هو سبب أساسي ومباشر لانتشار الخلافات الطائفية والمذهبية والسياسية ومصدر رئيسي لعوامل الاستقرار والخوف من الآخر. ما أن انهار النظام الديكتاتوري البائس في العراق حتى طفت الخلافات الطائفية والمذهبية والسياسية بين أفراد الشعب العراقي الواحد. ولبنان ليس ببعيد عن وجود الخلافات المذهبية والطائفية لأسباب سياسية واضحة وكذلك معظم الدول العربية والإسلامية التي تتألف مجتمعاتها من طوائف ومذاهب مختلفة.
إن السياسة وقلة التنمية أو عدمها والجهل والفقر والظلم والاضطهاد والتشرد والاحتلال والاعتماد على الخارج الغني هي الأسباب الأساسية للتعصب والخلافات المذهبية والطائفية، وهذا ما يجب التعاطي معها بشكل مدروس وعملي بالتوازي مع الحوار والتقريب بين أبناء المذاهب الإسلامية المختلفة.
هل المواطن العربي أو الإسلامي بغض النظر عن مذهبه أو طائفته متفق ولا يختلف مع جاره العربي أو الإسلامي المباشر ؟ وهل السبب أساساً يكمن في اختلاف المذهب أو الطائفة أصلاً ؟ إن ما يحتاجه العرب والمسلمون من بذل جهود للتقريب والمصالحة وتوحيد الصف هو أكثر وأعقد بكثير من ما تم مناقشته في مؤتمر الدوحة بالرغم من أهمية هذا المؤتمر وأهمية أبحاثه وحواراته القيمة.
ولنا أن ننظر إلى العالم الخارجي واختلاف المذاهب والطوائف والأعراق الموجودة فيه لنكتشف أهمية البعد السياسي وأسلوب الحكم وندرس تأثيره على الخلافات والاختلافات بين أبناء الأمة أو الأمم.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com