قفزت هيلاري رودهام كلينتون إلى حلبة سباق رئاسة الجمهورية للولايات المتحدة الأميركية المزمع إجراء انتخاباتها في نوفمبر من العام 2008.

وهيلاري البالغة من العمر 59 عاماً لها خبرة أربعة عشر عاماً في أعلى مستويات الحياة السياسية الأميركية، إذ كانت ولمرتين متتاليتين سيدة أميركا الأولى عندما كان زوجها بيل كلينتون يتربع على عرش البيت الأبيض، ثم حينما دخلت هي ذاتها المعترك الانتخابي لتفوز بسهولة في عضوية مجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك في العام 2000 ثم لتعيد الكرة ثانية في نوفمبر الفائت بفارق أصوات كبير. وهي أول سيدة أولى سابقة تفوز بأحد أهم المناصب السياسية في البلاد.

ولم تكن المحامية البارعة هيلاري لترضى أن تكون سيدة الولايات المتحدة الأولى بصورتها التقليدية، وهي صورة المرأة الوادعة التي لا تتدخل بشؤون زوجها والتي تنأى بنفسها في الخوض بمسائل السياسة، بل كانت مشاركاً فاعلاً لزوجها، إذ هي على سبيل المثال وليس الحصر وضعت مشروعاً ضخماً لإصلاح الرعاية الصحية. وقد وقف الجمهوريون بشراسة ضد مشروعها ونجحوا في إسقاطه.

وقد أظهرت هيلاري كلينتون كثيراً من المناقب الطيبة في شخصيتها تؤهلها لقيادة الولايات المتحدة لعل أبرزها صبرها في الشدائد وجلدها على تحمل الأذى، وأي أذيً يكون أكثر وقعاً على المرأة حينما تعلم بخيانة شريك حياتها. فقد دافعت عن زوجها الرئيس بيل كلينتون حينما أثيرت فضيحة ارتباطه بعاملة شابة في البيت الأبيض اسمها مونيكا لوينسكي .

واعتبرتها في بداية الأمر مؤامرة من اليمين المتطرف ضد زوجها، بيد أنها حافظت على أسرتها من التصدع حينما ظهر زوجها على شاشات التلفزيون وهو يقر بفعلته. وإن نسي الأميركيون فلن ينسوا منظر الأسرة بعد أول ظهور علني لها في حديقة البيت الأبيض، حيث مشى الزوجان جنباً إلى جنب تفصلهما بنتهما تشيلسي!!

ويذهب تقرير أعدته البي بي سي البريطانية باللغة الإنجليزية ( 21/1/2007) إلى أن هيلاري كلينتون بنت أباها ـ كما يقال ـ فهي اكتسبت صفاته، فقد كان أبوها صارماً يهوى التحدي واشترك في الحرب العالمية الثانية. ومما يقال عنه إن ابنته هيلاري جاءت يوماً وهي تحمل شهادة المدرسة مرصعة بأعلى الدرجات، فما كان من أبيها إلا أن قال: لا بد أن تلك المدرسة مدرسة سهلة!! ولم تكن أمها أقل قوة وصلابة من أبيها، إذ يقال إن هيلاري اشتكت إليها ذات مرة من أن بعض التلاميذ يعتدون عليها في المدرسة، فأجابت الأم ابنتها بأن لا مكان في بيتنا للجبناء!!

وحياة هيلاري كلينتون حافلة بالنشاط في الشأن العام، فهي قبل أن يصل زوجها إلى البيت الأبيض، كانت محامية ناجحة ومدافعة عن حقوق الأطفال وعضواً سابقاً في مجالس العديد من الشركات والهيئات المدافعة عن المصلحة العامة. وكانت نشطة في قضايا تتراوح بين خفض وفيات الأطفال وتقديم استشارات قانونية للفقراء فضلاً عن علاقتها بالحركة النسوية.

وقد ألفت هيلاري اثنين من أكثر الكتب مبيعاً،واحداً عن تنشئة الأطفال في الأسرة والمجتمع والآخر هو سيرتها الذاتية. أما بدايتها السياسية فكانت حينما عملت في لجنة استشارية تابعة لمجلس النواب كانت تحقق في فضيحة ووترغيت في عهد الرئيس ريشارد نيكسون في سبعينيات القرن الماضي.

وقد خطت هيلاري كلينتون خطوتها الأولى صوب تحقيق هدفها وهو الوصول إلى البيت الأبيض السبت الفائت 20/1 حينما أعلنت أنها شكلت (لجنة استكشافية) لذلك السباق الذي سينتهي بعد عامين تقريباً. وقالت في إعلانها - حسب السي إن إن - متوجهة إلى الناخبين الأميركيين: ليس مهماً أين تسكنون، وليس مهماً أي توجه سياسي تعتنقون، إنني أريدكم أن تكونوا جزءاً من هذا الحوار المهم منذ بدايته، وإنني سأمضي الكثير من الأيام القادمة للرد على استفساراتكم عبر حوار حي من خلال الفيديو على الإنترنت.

وأمام هيلاري كلينتون معركتان حاسمتان، الأولى الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، ثم بعد ذلك معركة الرئاسة بينها وبين الفائز من مرشحي الحزب الجمهوري. أما منافسها الرئيسي إلى هذه اللحظة فهو العضو باراك أوباما وهو نائب عن ولاية ألينوي، وهو من الأميركان السود. وحسب جريدة النيويورك تايمز (21/1) فإن كثيراً من المعوقات تحول دون وصول أوباما إلى كرسي الرئاسة، لعل أبرزها انتماؤه إلى أب كيني هاجر إلى الولايات المتحدة فضلاً عن قلة خبرته.

وقد أظهر استطلاع للرأي أجري قبل يوم من إعلان هيلاري كلينتون عزمها على ترشيح نفسها أنها متفوقة كثيراً على أوباما، إذ حصلت على 41% من نسبة الأصوات، في حين حصل أوباما على 17% منها. بيد أن الوقت ما زال مبكراً لمعرفة التوجهات النهائية للناخب الأميركي.

ولعل ما يقوي موقف هيلاري هو قوة دعم الحزب الديمقراطي الذي عرف تقليدياً بمناصرته لقضايا المرأة، فهو سيدخل التاريخ لو أصبحت مرشحته أول رئيسة للولايات المتحدة الأميركية. غير أن ما يضعف موقفها في نفس الوقت هو تأييدها لغزو العراق، على عكس التيار الغالب في الحزب الديمقراطي. وفوق هذا، توجهاتها الجديدة في (مغازلة) اليمين في الآونة الأخيرة إذ أصبحت تتبنى وجهة نظرهم في قضايا المثليين وزيادة نفقات الدفاع وغيرها.

ولاشك أن معركتها الأشرس ستكون مع المرشح الجمهوري، إذ إن ترشيح امرأة لقيادة الولايات المتحدة سيجند كل المحافظين ضدها ويؤدي إلى استقطاب حاد في المجتمع الأميركي بين التيار المحافظ بكل صنوفه والتيار المتحرر بأطيافه المختلفة. وستلاحقها حياة زوجها وفضائحه وستكون مرة أخرى موضوعاً للنقاش العام ولإثارة حفيظة أولئك الناخبين الذين ينحدرون من الولايات الوسطي الزراعية والذين يتصفون بالمحافظة الشديدة.

والحق أن تقديم هيلاري كلينتون نفسها كمرشحة للحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية للعام 2008 يأتي في سياق توجه عالمي نحو مشاركة أوسع للمرأة في الشأن السياسي وعلى أعلى المستويات. وليست الديمقراطيات الغربية كألمانيا وفرنسا وغيرها التي تشهد هذه الظاهرة، بل وأيضاً الديمقراطيات الناشئة كما في شيلي بأميركا اللاتينية أو راوند بأفريقيا.

ومن المفارقات العجيبة في هذا الصدد أن نساء الدول المتخلفة كن السباقات تاريخياً للوصول إلى كرسي الرئاسة مقارنة بنظيراتهن الغربيات، ولعل أشهر حالة هي أنديرا غاندي رئيسة وزراء النهد في سبعينات القرن الماضي. وإذا ما فازت هيلاري رودهام كلينتون في انتخابات نوفمبر 2008 فستكون المرأة الأميركية قد وصلت إلى قمة هرم السلطة بعد ثماني وثمانين سنة من حصولها على حقوقها السياسية.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com