لم تكن تنقص الفلسطينيين هموم إضافية مع ما يتعرضون له في الداخل من حصارات التجوع وتجفيف الموارد من قبل الطرفين الإسرائيلي والأميركي، ولم يكن ينقصهم المزيد من الهموم مع تتالي التباينات بشأن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية المنشودة، وسيل الاشتراطات التعطيلية التي تضعها واشنطن أمام انجاز هذه الحكومة. فقد «طما الخطب حتى غاصت الركب» في مأساة الفلسطينيين في العراق مع ما يتعرضون له الآن من أوجاع وآلام وشديدة.
فقد أعاد ما يتعرض له الفلسطينيون في العراق إلى الأذهان، ما سبق وأن تعرض له اللاجئون الفلسطينيون في أكثر من مكان، خصوصاً في لبنان، منذ أن بدأت رحلة النكبات تتوالى عقب أن غادر اللاجئون الفلسطينيون وبشكل قسري أرض الوطن عام 1948 إلى دياسبورا الشتات.
وفي الرحلات المتتالية من العذاب والألم، كان اللاجئ الفلسطيني دوماً ضحية السياسات القاصرة، وضحية الصراعات الإقليمية في عموم منطقتنا، كما هو الحال الراهن في العراق، حيث يتعرض اللاجئون الفلسطينيون لحملة تعسف لا مبرر لها على يد بعض الأطراف العراقية، وتحديداً بعض الميليشيات المسلحة التي تحولت إلى ما يشبه «قطاع الطرق».
ومنذ فترة تحاول مجموعات محمولة مسلحة من مجموعات الميليشيات المنفلتة في العراق المشار إليها، الاعتداء على التجمع الفلسطيني الجديد في منطقة التنف، وتحديداً في المنطقة المحرمة الفاصلة بين معبري الوليد والتنف بين العراق وسوريا، حيث حط ما يقارب الـ (200) نفر من أبناء فلسطين الذين غادروا العراق، وتحديداً بغداد، تحت وطأة عمليات القتل والغدر على يد قطعان الهمجية المنفلتة من قوات الغدر التي وفدت إلى العراق مع احتلال بغداد.
والواقعة المشار إليها، استتبعتها محاولات مستميتة لاختطاف بعض الفلسطينيين هناك والتنكيل بهم باعتبارهم من «أنصار» النظام السابق، بما في ذلك محاولة اختطاف بعض الأطفال قبل فترة قصيرة، حيث يبلغ عدد الأطفال في الموقع الحدودي المشار إليه (75) طفلاً، وعدد النساء (44) امرأة، والباقي من الذكور.، الأمر الذي استتبع من الجميع تنظيم نوبات من الحراسة الليلية والنهارية تفادياً لخطر داهم قد يقع في أي لحظة من اللحظات.
وعليه، إن اللاجئين الفلسطينيين في موقع ( الوليد ـ التنف) الحدودي، وفي عموم العراق، يناشدون الجامعة العربية وأصحاب الضمائر الحية للعمل على مساعدتهم وإنقاذهم من براثن السلوك الفاشي لبعض المجموعات الموتورة في العراق، ورفع يد الأذى المسلط فوق رؤوسهم.
كما يقع على عاتق السلطة الوطنية الفلسطينية أن تلتفت نحو اللاجئين الفلسطينيين في الموقع المذكور وفي العراق، والتحرك على كل المستويات العربية والدولية ولدى مؤسسات حقوق الإنسان من أجل إنقاذ حياة المواطنين الفلسطينيين الذين يتعرضون للعسف اليومي على أيدي أطراف ليس لها علاقة لا بالعروبة ولا بالإسلام ولا بحقوق الإنسان والإنسانية.
وفي هذا الإطار فان الجهود المبذولة من قبل بعض القوى الفلسطينية وتنظيماتها العاملة في الساحة السورية، وعلى نواقصها، جهود ملموسة، خصوصاً لدى حركة فتح، وحركة حماس، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحركة الجهاد الإسلامي الذين تحركوا وقدموا عدة أطنان من المواد الغذائية للفلسطينيين هناك. إن السلطة الوطنية فلسطينية والقوى والفصائل، مطالبة ومعها الجامعة العربية بالكثير من أجل إنقاذ الفلسطينيين في العراق، وعلى معبر (التنف ـ الوليد) الحدودي.
إن قضية اللاجئين الفلسطينيين في العراق تتفاعل بصمت دون التفات وانتباه مطلوب من الدول العربية وجامعتها العتيدة، ودون التفات مطلوب من منظمة التحرير الفلسطينية والهيئات الفلسطينية المعنية.
ومازالت تتفاقم مع تفاقم قضية اللاجئين الفلسطينيين في العراق، حالة الخوف والهلع التي تسود أوساط هذا الجزء الغالي من الشعب الفلسطيني في ظل الاعتداءات اليومية التي تشنها على التجمعات الفلسطينية في بغداد تلك القوى السافرة وفرق الموت السرية التابعة لبعض الأحزاب والميليشيات العراقية التي دخلت إلى بغداد، خصوصاً منها مجموعات «سرايا الحساب» و«فرقة الموت» وهي مجموعات مسلحة فاشية السلوك والمنهج.
وفي الواقع العملي، فان حملات القتل والتسخين والتوتير ضد الفلسطينيين دفعت بأعداد متزايدة من اللاجئين الفلسطينيين في العراق للتفكير بالهجرة الثانية إلى مختلف أصقاع المعمورة درءاً من خطر الموت الداهم الذي ينتظرها وينتظر أبناءها وشبابها وشاباتها وكهولها على حد سواء.
فالعشرات من العائلات وصلت إلى استراليا في هجرة النكبة الجديدة، والى الهند وبعض الدول المترامية الأطراف في أقاصي الأرض، بعد أن ضاقت بهم أرض العرب، ودون أن تجد العائلات الفلسطينية اللاجئة من تحرك عربي فاعل لحمايتها.
كاتب فلسطيني ـ دمشق