شكل المغرب العربي على الدوام احد جناحي المنطقة العربية، في مختلف الميادين الثقافية والاقتصادية والبشرية، حتى قبل أن تتيسر وسائل المواصلات والاتصالات وتتطور إلى المستوى الذي أصبح فيه العالم كله «قرية واحدة».
وتعزز التواصل بين المشرق والمغرب العربيين بعد انحسار الاستعمار المباشر وظهور الدول المغاربية الحديثة، فكان الدعم المشرقي الكبير لحركات التحرر الوطنية في المغرب العربي خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي، كما كانت الدول المغاربية حاضرة ومشاركة بفعالية في كل القضايا العربية بالدعم المادي والمساندة المعنوية والسياسية وحتى العسكرية إبان الحروب العربية الإسرائيلية منذ عام 1948 وحتى حرب أكتوبر عام 1973.
واحتضنت الدول المغاربية (المغرب والجزائر وتونس خاصة) العديد من القمم العربية التي شكلت منعطفات مهمة في العمل العربي المشترك واتخذت قرارات نوعية كان من بينها، على سبيل المثال، قرار اعتماد منظمة التحرير الفلسطينية «ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني»، الذي اتخذته القمة العربية في الجزائر عام 1974، وكذلك اعتماد أول مشروع عربي للسلام مع إسرائيل خلال قمة فاس الثانية (المستأنفة) عام 1982.
وبالإضافة إلى ذلك فقد كان لدول المغرب العربي حضور كبير ومتميز أحيانا في القضايا الإقليمية ذات البعد العربي، حيث اشتهرت الجزائر بدور الوسيط الناجح في العديد من هذه القضايا وعملت بنشاط كبير لإنهاء الحرب العراقية الإيرانية وذهب احد وزراء خارجيتها ضحية في سبيل هذه الغاية.
ورغم هذا الإرث الكبير من الحضور المغاربي عربيا وعلى كل الصعد في الماضي، إلا أن هذا الحضور في المرحلة الراهنة يبدو وكأنه قد تلاشى أو يكاد.
فالغياب المغاربي يبدو واضحا في الشأن العراقي وأكثر وضوحا في الأزمة التي يمر بها لبنان منذ العدوان الإسرائيلي عليه صيف العام الماضي، أما القضية الفلسطينية التي كانت (سابقا) تعتبر (قضية العرب المركزية) فلا أثر للوجود المغاربي فيها حاليا، إلا إذا اعتبرنا تعزيز العلاقات مع الإسرائيليين وكسر الحواجز معهم معيارا للاهتمام بهذه القضية ودليلا على «مساندة» الشعب الفلسطيني!
والسؤال هنا، ما هي أسباب ودوافع هذا التحول في الدور والحضور المغاربي؟ وهل هي أسباب داخلية محضة (محلية وإقليمية) أم نتيجة ضغوط خارجية ووضع عربي مأزوم؟
لا شك أن لكل دولة من الدول المغاربية مشاكلها الداخلية أو الثنائية التي قد تؤثر وتعيق حركتها ودورها العربي، فهناك قضية الصحراء التي كبلت العلاقات المغربية الجزائرية وأنهكت الدول المغاربية كلها وقضت على جهود تعزيز الاتحاد المغاربي.
وهناك الحصار الغربي على ليبيا الذي استمر سنوات عديدة ولم يكسره إلا بعض القادة الأفارقة، مما دفع ليبيا لتغيير اتجاهها جنوبا صوب القارة الإفريقية بدلا من التطلع نحو أشقائها العرب الذين لم يقوموا بجهد مؤثر لمساندتها والتخفيف عنها أثناء الحصار، أما موريتانيا الغائبة المغيبة عربيا فقد حبسها الرئيس السابق معاوية ولد الطايع في قوقعته الذاتية طوال عقدين من الزمن وما زالت تجاهد لاستعادة التنفس في مرحلة النقاهة التي بدأت منذ أغسطس 2005 ولم تنته بعد.
وتبقى تونس الأكثر استقرارا داخليا والأقل توترا في علاقاتها الثنائية مع الدول المغاربية الأخرى، لكن ذلك على ما يبدو لم يمنع من انتقال عدوى الغياب المغاربي إلى دورها وحركتها الفاعلة على الساحة العربية.
ولا شك أن أزمة النظام العربي وما يشهده العرب من تمزق وتشرذم، لا تساعد على قيام أي جهد جماعي مشترك لإخراج الوضع العربي من مأزقه الراهن، أما الضغوط الأجنبية لوضع الحواجز والحدود المصطنعة بين المشرق والمغرب العربيين تمهيدا لفصلهما كليا، فلم تعد خافية على أي متابع كما أن الساعين إليها لم يعودوا حريصين على إخفائها كما كانوا في السابق، سواء من قبل الجيران الأوروبيين على الضفة الشمالية أو عبر المحيط من جانب الأميركيين ومن يدور في فلكهم أو يدورون معه حيثما دار!
لكن هل يكفي كل ذلك لتبرير غياب الدول المغاربية وانشغالها عن قضايا وأوضاع منطقتها وأمتها العربية؟ أليست الدول المغاربية جزءا من هذه الأمة وهي، بالتالي، جزء من مشاكلها كما هي جزء من أي حلول ممكنة لهذه المشاكل؟
إن الاعتقاد بأن الانكفاء الذاتي هو السبيل لمواجهة الضغوط الداخلية أو حل المشاكل الإقليمية، لا يعدو كونه وهماً لدى البعض أو محاولة لإيهام الآخرين بجدوى الشعوذة والحلول (السحرية) التي لا مكان لها في ارض الواقع، فمنطق العصر وضروراته لم تعد تسمح بالانعزال بعيدا عن قضاياه ومشاكله، حتى وان كانت في أقصى بقاع الأرض أو حتى في الفضاء الخارجي، فكيف إذا كانت هذه القضايا والأزمات بين ظهرانينا ومرتبطة بوجودنا ومصيرنا؟!