لا خلاف جوهرياً بين السُنة والشيعة.

إذن ما هي بواعث الفتنة المذهبية التي تتفاعل في العراق، وقد تنتقل عدواها إلى مجتمعات إسلامية أخرى في العالم العربي؟ وكما تساءل أحمد شوقي:

إلام الخُلف بينكمو إلاما

وهذى الضجة الكبرى علاما؟

هذا هو التساؤل الأعظم المطروح أمام مؤتمر حوار المذاهب الإسلامية المنعقد بالدوحة بمشاركة 266 عالماً ومفكراً إسلامياً من 44 دولة، ومثل هذا الحوار ينبغي أن يجري على مستويين، كل منهما يكمل الآخر: حوار نظري على المستوى الفقهي، وآخر على المستوى العملي الميداني.

ليس هناك مشكلة جوهرية على المستوى الفقهي بين السُنة والشيعة، فالجميع ملتزمون بالأصول وفي مقدمتها الالتزام بأركان الإسلام الخمسة: الشهادتان والصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج إلى بيت الله لمن استطاع إليه سبيلاً.

لكن توجد مشكلة مرئية على صعيد الواقع الميداني ليس في الحكمة تجاهلها: فليس خافياً على أي مسلم ما يجري حالياً في العراق حيث يقتل الآلاف من أهل السُنة والشيعة. وعلينا جميعاً كما قال د. يوسف القرضاوي أن نتعاون لإطفاء هذه الفتنة «وهذا ما يقتضيه منا ديننا».

وإذا كان المراد من مؤتمر الحوار هو التقريب بين المذاهب الإسلامية، خاصة بين المذهب السُني والمذهب الشيعي، فإنه لا فائدة ترجى من حصر المناقشات في المسائل الفكرية النظرية، ومثل هذه المسائل ليست عاجلة على كل حال، فالمطلوب، بالنظر إلى استعار الفتنة في العراق هو مقاربة الواقع من أجل قتل الفتنة قبل أن يمتد لهيبها إلى خارج العراق.

يقول د. القرضاوي أيضاً: إذا كنا نريد التقارب فلا يمكن أن نسكت عما يجري في العراق من قتل للآلاف بين الفريقين، خاصة أهل السُنة الذين يهجرون من مناطقهم ويحاصرون حتى يخرجوا بفعل فرق الموت والميليشيات التي تقتلهم داخل منازلهم بعد تعذيبهم.

والسؤال الذي يُطرح هو: من هو الطرف الذي يتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى عن ما يجري؟

في هذا السياق انتقد د. القرضاوي إيران علناً وبشدة منتهزاً المناسبة ليتهم الدولة الإيرانية أيضاً بمحاولة نشر المذهب الشيعي في بلدان إسلامية.

على الجانب الآخر رد آية الله محمد علي التسخيري، الفقيه الإيراني الشهير، مشيراً بالاتهام إلى أعداء الأمة الإسلامية وتحديداً إسرائيل والولايات المتحدة واستغلالهما للاختلافات بين السُنة والشيعة لتوسيع الخلاف بينهما.

الحقيقة التي لا يجادل فيها أحد هي أن لإيران نفوذاً في العراق وبالتالي تستطيع أن توقف نيران الفتنة هناك، وما يمكن استخلاصه من كل هذا هو أنه ما دام فقهاء السُنة والمراجع الإيرانية الدينية مجمعين على أن الفتنة المذهبية وبالٌ على الأمة الإسلامية وتتهدد وحدة الأمة فإن هؤلاء العلماء والمراجع مطالبون بتوجيه مخاطبة مشتركة إلى العراقيين كافة تدين التعصب المذهبي وتشجب الضالعين في الفتنة في كلا المذهبين.

وبالطبع ليس من المعتدل تجاهل الدور الأميركي الإسرائيلي في إشعال الفتنة وتأجيجها. فالفتنة اندلعت أصلاً مع الاحتلال الأميركي للعراق، لكن ينبغي أن نقول أيضاً إن التدبير الأميركي الشديد ما كان لينجح على الصعيد التطبيقي لولا أن قيادات طائفية تجاوبت معه عملياً بعد أن وجدت فيه فرصة لتحقيق مكاسب سياسية صرفة.