لم ينجح المشروع الأميركي في العراق في تحويل هذا البلد إلى واحة للاستقرار والازدهار والديمقراطية، وبالتالي فإن الإدارة الأميركية لم تتمكن من تسويقه باعتباره نموذجا للتغيير المنشود في الشرق الأوسط، على ما كانت تأمل أو تراهن.
على العكس من كل ذلك تماما فقد بات العراق، بعد الاحتلال، مكانا لمقتلة سواء للعراقيين، أو للمحتلين، كما بات بمثابة بؤرة للجماعات الإرهابية المتطرفة، ومرتعا للانقسامات والاقتتالات الطائفية والاثنية، وضمن ذلك أعمال الاختطاف والتنكيل والتخريب والتشريد (ثمة حوالي 6,1 مليون عراقي نزحوا من مناطقهم إلى أنحاء أخرى في العراق ونحو 8,1 مليون عراقي هجّروا خارج البلاد، بحسب احصاءات للأمم المتحدة).
وفي العام المنصرم، فقط، أودت عمليات القتل والتفجير العشوائي بحياة حوالي 34 ألفا من العراقيين، وأوقعت بهم إصابات بأكثر من ذلك العدد بكثير (أغلبيتهم بنتيجة الاقتتال الجانبي)، بعد أن باتت عمليات التفجير العشوائي والقتل الأعمى اليومي تحصد حوالي 60 ـ 100 من العراقيين، في مشهد مأساوي، يدل على مدى الخراب الذي حاق بالعراق وأهله.
أما عدد القتلى من الجنود الأميركيين فقد وصل إلى ثلاثة آلاف قتيل، منذ الاحتلال، وبلغ عدد الجرحى والمصابين منهم حوالي 12 ألفا، هذا غير الخسائر المادية المباشرة وغير المباشرة والتي تزيد على ألف مليار دولار، (الكلفة العسكرية وحدها بلغت 350 مليار دولار بحسب تقارير أميركية).
هكذا بات العراق بمثابة مكان لمقتلة أو لمقبرة، ولكن المعضلة أنه لم يصبح كذلك بالنسبة للمحتلين، بقدر ما هو كذلك للعراقيين الأبرياء أنفسهم، الذين باتوا يوميا يذهبون بالعشرات، كما قدمنا.
وفي كل ذلك تتجلى التراجيديا العراقية المتمثلة بأن معظم العراقيين الذين كانوا ضحية التهميش والعسف والاستبداد، في العهد السابق، باتوا أنفسهم ضحية الاحتلال الأميركي «المخلّص»، الذي جاءهم بدعوى نشر الحرية والديمقراطية والازدهار، من جهة، وضحية الجماعات الطائفية والعصابية المتطرفة والإرهابية، من الجهة الأخرى، وفي آن واحد!
ويمكن الاستنتاج من كل ما تقدم أن الولايات المتحدة، باعتبارها قوة عظمى وتتمتع بجبروت عسكري طاغ وبتفوق هائل على غيرها من الدول، بإمكانها أن تسقط هذا النظام أو ذاك، وأن تدمر هذه القوة العسكرية أو تلك، كما بإمكانها أن تحتل بلدا أو أكثر، ولكنها لا تستطيع أن تحوّل نصرها إلى إنجازات سياسية.
ويتضح من ذلك أن قوة النفي والتفكيك والتدمير والاحتلال تختلف عن قوة التواصل والتركيب والبناء والاستنهاض التي هي غير متوافرة أصلا لدى الولايات المتحدة، لأسباب تتعلق بطبيعة تكوّنها التاريخي ونمط ثقافتها واهتماماتها وروح الغطرسة فيها، وعدم فهمها لطبيعة المجتمعات العربية، وردود أفعالها.
بديهي أن الاحتلال الأميركي للعراق هو الذي يتحمل المسؤولية الكبرى عما آلت إليه أحوال العراق والعراقيين، فهو الذي قام بتقويض مؤسسات الدولة، وحلّ الجيش، واستند على الانقسامات الطائفية، واعتمد الحل الأمني على حساب الحلول السياسية، وأخرج من العملية السياسية قسما مهما وحيويا من الشعب العراقي، لرفضه الاحتلال. كذلك فإن الاحتلال يتحمل مسؤولية كبيرة عن تغييب البعد العربي، في مقابل التسهيل للدور الإيراني.
مع كل ذلك فإن الورطة في العراق، ليست ورطة أميركية، فحسب، على ما يعتقد البعض، فهي قبل كل شيء ورطة عراقية، في أساسها ومآلاتها. وفي النهاية فإن الولايات المتحدة تقبع على بعد آلاف الكيلومترات من العراق، ومن الشرق الأوسط، وهي التي تستطيع التأثير فيه، بل التنكيل به، من دون أن يؤثر ذلك عليها كثيرا في النواحي: السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
ومعنى ذلك أن ثمة مسؤولية كبيرة تقع على عاتق العراقيين أنفسهم، وعلى عاتق قواهم وتياراتهم وفعالياتهم السياسية، فهذه الأطياف ظلت متمسكة بصبغتها ومصالحها الطائفية، ما يكرس الانقسام الطائفي والاثني في العراق، ويحول دون تحقيق الاندماج الوطني، ودون إمكان تبلور الدولة الوطنية الجامعة.
أيضا في هذا الإطار لا يمكن إلا الحديث عن مسؤولية الدول العربية عما يجري في العراق، إذ ان غياب التوافق العربي، وتضارب السياسات العربية، أدى إلى افتقاد الدور العربي في تقرير مستقبل العراق، وهو ما أفاد إيران كثيرا، التي استغلت هذا الغياب لتعزيز مكانتها في العراق، وفي عموم المنطقة.
واضح أنه ثمة عدة اتجاهات عراقية تحاول فرض أجندتها في العراق، لتقرير مستقبله وتحديد شكل نظامه السياسي وهويته وعلاقاته. الاتجاه الأول، وهو مرتبط بالأجندة الأميركية، في الشرق الأوسط. وبرغم ضعف نفوذ هذا الاتجاه، في المجتمع العراقي، إلا أنه يستمد قوته من علاقاته الدولية، ومن تمتعه بعلاقات متميزة مع الإدارة الأميركية، ومن الفوضى السائدة في العراق، كما يستمد هذا التيار بعض قوته من ضعف المداخلات العربية في الموضوع العراقي.
أما الاتجاه الثاني، فيتمثل بأطياف واسعة من القوى السياسية الوطنية والقومية والدينية. ولكن هذا الاتجاه يواجه مشكلات عدة، تحد من قوته وفاعليته، ضمنها، أولا، انه مازال في مرحلة التبلور، بحكم ضعف الحراك السياسي في المجتمع العراقي، بالنظر للإرث الثقيل الذي تركه نظام حكم الحزب الواحد؛ ثانيا، ان بعض قواه الرئيسية تستمد نفوذها من استنادها لقاعدة طائفية معينة.
ثالثا، انه ثمة التباس بين واقع مناهضة هذه القوى الاحتلال، وانخراط بعض قواه في الترتيبات السياسية الناشئة عنه (المجلس الوطني ومجلس الحكم مثلا)؛ رابعا، ان هذه القوى برغم إجماعها على مناهضة الاحتلال والتخلص منه بأقرب وقت ممكن، ليست متوافقة على شكل إنهاء الاحتلال.
أيضا ثمة اتجاه ثالث وهو تيار المقاومة الوطنية المسلحة ضد الاحتلال، ويتألف من مزيج من التيار الوطني والقومي والديني، وهو اتجاه غير متبلور، ولا يمكن التعامل معه باعتباره كتلة واحدة. ومشكلة هذا التيار تكمن في أنه لا يشارك في العملية السياسية الجارية، كما أنه يفتقد للشرعية والعلنية والإطار السياسي، كي يوضح نفسه للعراقيين وللعالم كله، هذا فضلا عن افتقاده للوحدة.
الاتجاه الرابع وهو يضم القوى الحزبية والميلشية الطائفية، وهذا الاتجاه يستمد قوته من نفوذه وقوته والتسهيلات المقدمة له من قبل الاحتلال، ومن الدعم الايراني، ومن وجوده في سلطة الحكم في العراق.
يبقى الاتجاه الخامس، ويتمثل بالجماعات الإسلامية المتطرفة، التي تمارس الإرهاب الأعمى، والتي باتت تعتبر العراق مرتعا لنشاطها وأجندتها الأممية، لشن حربها ضد عالم «الكفر» أو ضد الاستكبار العالمي المتمثل بأميركا. الثابت أن هذا التيار، الذي «خطف الإسلام»، وأساء لقضايا العرب، ليس معنيا باستقرار العراق.
ولا بتخليصه من الاحتلال الأميركي، بمقاومة مسلحة أو بغيرها، بقدر ما هو معني باستدراج الولايات المتحدة لاشتباك مفتوح ودائم، بغض النظر عن نتائجه، على العراق والمنطقة العربية. وبمعنى آخر فإن هذا التيار معني باستمرار الفوضى في العراق، بدليل عملياته التفجيرية العشوائية، التي تودي بحياة العراقيين أكثر بكثير من الأميركيين.
بالتأكيد ان الوضع خطير جدا بالنسبة للأميركيين في العراق، ولكن هؤلاء لا يزيد عددهم على 150 ألف أميركي، بمعنى أن شعب العراق، والمنطقة العربية بأسرها، تتحمل بكل الأحوال المخاطر الناجمة عن الاحتلال وعدم الاستقرار السياسي في العراق وعن حال الخراب والفوضى المعشعشة فيه. على أية حال فإن تداعيات احتلال العراق مازالت مستمرة ولا يعرف أحد متى ستنتهي أو كيف ستنتهي.
كاتب فلسطيني
