يأتي انعقاد اجتماعات اللجنة اليمنية الأردنية العليا، في العاصمة صنعاء، برئاسة رئيسي مجلسي الوزراء، في البلدين الشقيقين، الأخوين عبدالقادر باجمال والدكتور معروف البخيت، في ظل واقع عربي يموج بالتحديات والأحداث والمتغيرات المتسارعة، التي تفرض نفسها، على أجندة هذه الأمة على نحو مؤثر وحساس، يقتضي الإسراع في تفعيل مسارات التكامل والتنسيق والتعاون بين الأقطار الشقيقة، والإدارك العميق بأنه من المفيد، بل والضروري، أن تتجه الأقطار العربية إلى تعزيز جسور التواصل، أكان ذلك على المستوى الثنائي، أو على النطاق الأوسع، بالاتكاء على ما يجمعها من روابط أخوية ومصالح مشتركة لتصويب ما أفسدته السياسة، عن طريق الانفتاح على بعضها البعض عبر نافذة الاقتصاد والتوسع في إقامة المشاريع الاستثمارية المشتركة التي تفسح المجال لنسج مقومات التكامل بين مقدرات شعوب هذه الأمة، باعتبار أن مثل هذا التوجه قابل للتطور والنمو والاستمرارية، أكثر من غيره لكونه الذي سيبنى على تشابك المصالح والمنافع وتكافؤ الفرص والشراكة البناءة التي سيحرص الجميع على جني ثمارها والاستفادة من مردوداتها وعوائدها الاقتصادية بعد أن تغدو جزءاً لا يتجزأ من المصادر التي تعتمد عليها مكونات البناء الداخلي والوطني.

وعليه فإذا كانت عوامل عديدة تجعل من التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري محور ارتكاز لأية جهود تبذل على طريق بناء الكيان العربي القوي والمتماسك، فإن ما يحسب للجمهورية اليمنية وشقيقتها المملكة الأردنية الهاشمية وقيادتيهما السياسيتين بزعامة فخامة الرئيس علي عبدالله صالح وجلالة الملك عبدالله الثاني، هو استشرافهما الواعي والرصين لمعطيات الأوضاع التي تمر بها المنطقة العربية، وكذا استيعابهما المتقدم للمتغيرات الإقليمية والدولية التي تتلاحق فصولها بشكل غير مسبوق، إلى جانب ما تقتضيه مقابلة هذه الظروف التي تلقي بظلالها على الواقع العربي وهو ما ترجمته مواقف البلدين، وجهودهما على صعيد توثيق عرى التضامن ومجابهة كل ما من شأنه زعزعة الاستقرار في المنطقة وتوسيع شقة الخلافات بين الأقطار العربية.

وانسجاماً مع هذه الرؤية المتوازنة، فقد استطاعت العلاقات اليمنية الأردنية النمو باضطراد ليس فقط لتحافظ على خصوصيتها، وما تتمتع به من عمق أخوي وتاريخي، بل أنها التي اتجهت لتقدم أنموذجاً متفرداً في العلاقات بين الأشقاء، مما كان له الأثر البالغ في ترسيخ قناعة البلدين بضرورة العمل على تعظيم جريان المصالح المتبادلة في المجالات الاقتصادية والانتقال بالعلاقات الثنائية إلى مستوى ينسجم ومتطلبات التكامل، خاصة بعد أن نضجت الأسباب التي تجعل هذا التكامل من الأولويات الملحة التي لا غنى عنها في هذه المرحلة الدقيقة التي يتعرض فيها الوجود العربي لشتى أنواع الاختراقات والاستهدافات، وهو ما يستوجب مواجهاتها جماعياً والعمل على اسقاط رهاناتها، قبل ان تصبح هذه الأمة عرضة لكل المحاولات الرامية لاستباحة وجودها وسيادتها وكرامة أبنائها.

ومما يستحق الذكر هنا، تلك الإيجابية التي تكتسي بها اجتماعات اللجنة العليا اليمنية الأردنية المشتركة والتي بدا من الواضح أن تركيزها، هذه المرة، جاء مشفوعاً بمشروعات طموحة ستسهم في إضفاء المزيد من الروافد الجديدة على مسارات علاقات التعاون والشراكة الاقتصادية والاستثمارية. والتي لا شك وأن خيراتها ستنعكس على أبناء الشعبين الشقيقين فضلاً عما سيترتب على نتائجها على صعيد تحفيز قنوات التكامل العربي وتشجيع الاشقاء على الاستفادة من هذه التجربة ودفعهم في إتجاه استكمال آليات الوحدة الاقتصادية العربية وتسريع خطوات إقامة السوق المشتركة التي يعول عليها النهوض باقتصاديات الأمة ومقدراتها وتأمين حاضرها وضمان المستقبل المشرق لشعوبها وأجيالها القادمة.