أسست بريطانيا الجامعة العربية، ربما بهدف تشكيل كتلة تدور في فلكها، لكن الهدف ظل توحيد العرب بأي شكل في وقت كانت معظم دول العالم محتلة بين القوى الأوروبية، وبعد زوال الاستعمار، جاء النداء بالوحدة العربية التي فشلت في أولى تجاربها بين مصر وسوريا، وكان دعاة وحدة بلدان النيل، والهلال الخصيب من الحالمين، بكيان عربي متجانس، ومتحاد جغرافياً وسكانياً..

الأحلام داعبت خيال الكثيرين ، أن تكون هناك امبراطورية عربية تذوب بها الأجناس والاثنيات وكل التنوع البشري، وأن يستطيع المواطن أن يقطع كل الحدود العربية من الجزائر إلى عُمان بدون جواز سفر، بل بهويته الشخصية، وأن نرى مؤسسات عملاقة تقوم على ثروات كل بلد، حيث بلدان الأنهار يمكنها توفير الغذاء، والصناعات الزراعية، ودول النفط الطاقة والصناعات البتروكيماوية ، ودول التاريخ القديم للسياحة والخدمات المتصلة بها من بنوك وخطوط بحرية وبرية وجوية، وتستطيع كسر الحاجز الجغرافي بين المشرق والمغرب التي وقفت في وسطه إسرائيل، إلى إجبارها على التعايش أو الذوبان، ثم تشكيل كتل إقليمية مع الدول الإسلامية في تركيا، وإيران، وعبور البحر العربي إلى دول آسيا الإسلامية، وتلاقٍ مع القارة الإفريقية..

انتهى شهر العسل بحروب خسرنا معظمها، ومن خلال التنافس الدولي ذهبت قوى وحلت بديلاً عنها أخرى، لكن بين شقّي الرّحى بدأنا نكرس مبدأ الوطن، ثم الجار، وبعدها العروبة ثم الإسلام، لكن العجلة دارت بأكثر مما نتصور، انقسم القوميون، وتشتت الاشتراكيون، وأبيد الوسطيون والمستقلون، ونتيجة خيبات الأمل، بدأ المقدس الديني، يحل بديلاً عن تلك الأفكار، فظن المسيحيون أنهم الأكثر تطوراً في الثقافة والالتصاق بالحضارة الغربية، فاتجهوا لتلك الكنائس، وما أدركوا أن زوار الكاتدرائيات من المواطنين الأوروبيين هم أقل شعوب العالم، وتمسك العروبيون بالتاريخ والكيان، لكنهم رفضوا الدين الإسلامي باعتباره يحصر الناس بلون واحد وعقيدة واحدة، لكنّ الإخوان المسلمين، وما أنشأوا من بذور بدأت تتصاعد قوائمهم في الشارع العربي، وجاء التطرف للبعض مشفوعاً بشعار الغرب عدو بحضارته وديانته، واستعماره انطلاقاً من الحروب الصليبية وإلى حروب الاستغلال البشع للموارد العربية، وتعزيز نفوذه بإسرائيل.

الحصيلة الراهنة نسيت الوحدة، والاتحاد والكونفودرالية، إلى المطالب ما دون الدنيا بالحديث عن الائتلاف الوطني، وتشكيل الحكومة الوطنية، حتى أن الفلسطينيين الذين يرزحون تحت أبشع احتلال عجزوا عن توحيد غزة مع رام الله، كما همّ القسم الآخر في رقعة الشام حين صار اللبنانيون حكومات، وتحولت الفصائل اللبنانية والفلسطينية في البحث عن مؤيد وحامٍ حتى وصلت الانقسامات إلى مطالبة المانحين والمتبرعين بتوصيل الأموال للفريق الأكثر شرعية، سواء كانت "حماس" التي ترى نفسها الشرعية المطلقة وفق حصيلة آخر انتخابات، أو "فتح" التي ترى أنها الحاضن والمؤسس للشعب الفلسطيني المعاصر، وتتطابق هذه المواصفات مع اللبنانيين، فهل تحولت المطالب بتأسيس الدولة العربية العظمى إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية كحل للتراضي في بلدان صغيرة لا تحتمل التجزئة والتحزب وفق قوانين الجغرافيا والسكان؟!