تعودت مع بداية كل عام ان أتذكر معكم العام الذي مضى وما حمله لنا نحن العرب من خير وشر، والعام الجديد وما نتمنى ان يحمله لنا، مع اني أشك في ان يكون خيراً في ظل الظروف السياسية الكاتمة على أنفاسنا منذ فترة، وفي ظل الضغوط المستمرة على الشعوب العربية، رغم ذلك تفاءلوا.. فلا قيمة للحياة لولا فسحة الأمل.
بالنسبة للعرب لقد كان العام الماضي كالأعوام السابقة ان لم يكن أسوأ بما حمله من قتل، ودمار، وتراجع، وكأن ذلك لم يكن كافياً في العراق. وفلسطين، فأضيف إليه ما جرى ويجري في لبنان والذي قد يحتاج إلى أكثر من عام 2007 لتمحى آثاره.
فمنذ بداية القرن الحالي والعالم العربي يتعرض لضغوط واستفزازات من قبل الدول الغربية وبالذات من الولايات المتحدة الأميركية، مع ان الاستعمار خرج من أراضينا منتصف القرن الماضي، إلا ان بعض المفكرين لم يطمئنوا لذلك فكانوا يحذرون ويرددون بأن الاستعمار خرج من الباب ليدخل من النافذة، وفعلاً حاول الغرب بعد ذلك بشتى الطرق، لكن وعي الشعوب العربية آنذاك كان له بالمرصاد كما تصدى له بعض الزعماء العرب ولم يمكنوه من تنفيذ مخططاته، فانتظر إلى ان رحل ذلك الجيل من العظماء.
وجاء بعض القادة المهيئين لعدم ممانعتهم وللسماح لهم بتنفيذ أطماعهم شريطة البقاء على كرسي الحكم مدى الحياة، لكن هذا التنازل والتواطؤ الذي حصلوا عليه لتنفيذ أهدافهم لم يكن كافياً ولم يطمئنهم، خوفاً من ان تستفيق الشعوب العربية وتحبط مخططاتهم فلجأوا إلى القوة للاستيلاء على ثروات الشعوب وإخضاعها.
وعملوا على عدم تمكين الوطن العربي من العيش في استقرار وديمقراطية، تلك النغمة التي برروا بها كل أفعالهم الشنيعة وازدادت فظاعتها عندما حاولوا إشعال نار لن تنطفئ ولو بعد حين، نار خطط لها بخبث ودهاء، الا وهي نار الفتنة والتفرقة بين أبناء الوطن الواحد، ومن ثم بين الشعوب العربية.
ولقد بدأ هذا العام بتصاعد الاختراقات الأميركية ونشرها لهذه النغمة الجديدة وهي الخلاف الطائفي المتجذر في التاريخ خاصة الخلاف السني الشيعي الذي حاولت الشعوب العربية تجاوزه منذ زمن، لكنهم أعادوا استغلاله بقوة ليصبح الهدف منه تقسيم البلد الواحد إلى مذاهب وطوائف.
وبالأحرى تقسيم المسلمين وخلق العداء والاقتتال فيما بينهم وإشعال نار فتنة لا تحمد عقباها، وقد يتطور الأمر ليصبح بين المسلمين والمسيحيين، ثم بين القبائل والعشائر، وقد بدأت بوادر ذلك في العراق، وظهرت إلى العلن في لبنان ولأول مرة في فلسطين، وقد تتسع أكثر فأكثر.
فبعد سنوات من الحرب والدمار والجفاء العربي، كنا نتطلع ونحلم مع بداية كل عام جديد بالمصالحة وتوحيد الصفوف، وتقريب وجهات النظر إلا أن هذه الأحلام أصبح تحقيقها مستحيلاً في ظل فكرة التفرقة الطائفية والمذهبية السائدة اليوم.
إن الدلائل والمؤشرات تشير إلى أن نار الاختلاف ستشتعل أكثر وأكثر لا محالة.
وحتى السياسة لم تعد قادرة على لعب دور مؤثر وفعال للتقريب بين المذاهب أو الملل، كما حصل في بداية القرن الماضي عندما تكاتف أبناء الشعب المصري مسلمين ومسيحيين وخرجوا تحت شعار واحد: (الدين لله والوطن للجميع) فطردوا المستعمر وخرج جنوده يجرون أذيال الخيبة والهزيمة.
لكن الذي يحصل الآن هو عكس ذلك، والتصريحات التي تطلق بسبب وبغير سبب، لن تضع حداً للعداء والانقسام الذي يهدف إليه الغرب، بعد أن فشلت كل محاولاته الأخرى، وإلا ما الذي نفهمه في تصريح أحد القادة عندما قال ان الشيعة تابعون ويتلقون أوامرهم من إيران، هل هذا جهل البعض بشعوبهم أم تشكيك في وطنيتهم؟
وماذا نفهم من بعض المثقفين والكتاب العرب عندما يكتبون عن حزب الله بأنه لا يمثل لبنان وإنما يمثل إيران وولاؤه لطهران؟ فإذا كان دفاع حزب الله عن أرضه بدماء أبنائه يخدم مخطط إيران، فيا ترى مثل هذه التصريحات والمقالات تخدم مخططات ومصالح من؟
إن الاستمرار في إشعال النار داخل الأراضي العربية المشتعلة أصلاً سوف يأكل الأخضر واليابس، القليل المتبقي، وإن كان ما جرى ويجري في العراق ولبنان وفلسطين لم ينته، وإنما هو في بدايته فإن الخوف من أن يتسبب هذا التأجيج في امتداده لدول أخرى، هكذا وسوف تمر علينا أعوام ونحن نتطاحن فيما بيننا، ويرتاح العدو ويكتفي بالتفرج والاستمتاع بمآسينا.
وقد بدأ العام الجديد فعلاً باستمرار حرائق الفتنة التي قد تنتقل كما قلت إلى جميع أرجاء الوطن العربي والإسلامي والدليل ما حصل مؤخراً في الصومال واحتمال انتقاله إلى السودان، وربما قد تدرك هذا الخطر الشعوب والحكومات وإن كانت بعض الحكومات لا رجاء فيها وهي السبب إلى ما وصلنا إليه ومع ذلك يظل الأمل قائماً.
قد يقول قائل: ما الذي تغير ويجعلنا نأمل ونتفاءل بالمستقبل؟
أقول إننا نعيش دائماً على الأمل والرجاء ولولا ذلك لانتهينا منذ زمن طويل.. والأمل معقود على الجيل القادم الذي قد يحقق ما عجزنا عنه.
كاتب إماراتي
sultan654@hotmail.com