حسناً، إن اللقاء بين الرئيس الفلسطيني والسيد خالد مشعل، قد حصل أخيراً؛ في دمشق. فبعد أخذ ورد وتأكيد ونفي؛ عاد وانعقد.

العقبات والتعقيدات معروفة ومفهومة، الشروط والمطالب كادت أن تطيح به، لكن الحاجة ودقة الظرف، فضلاً عن الرغبة في اجتناب تحمّل مسؤولية نسفه؛ كلها تضافرت لتسهيل حصوله، وذلك، في حدّ ذاته، كان خطوة طيبة. على الأقل لأن الاجتماع، على هذا المستوى وفي هذه اللحظة، من شأنه تطييب الأجواء؛ المحتاجة لأي فسحة أمل؛ أو لأية محاولة تساعد في تخفيف الاحتقان؛ وربما يؤسس ذلك لاحتمالات الحلحلة. بعد الذي جرى بين «فتح» و«حماس» وبعد ما يشبه الانقطاع والقطيعة بينهما، ناهيك عن حروب الاتهامات واستعراضات القوة.

يأتي اللقاء ليؤكد أن شعرة معاوية لم تنقطع بين الفصيلين؛ وأن الإحساس بضرورة الإبقاء على الجسور مفتوحة؛ لم ينضب مخزونه، وفي ذلك جائزة ترضية ولو آنية، إلى الشعب الفلسطيني المحاصر والمكتوي بنار هذه الخلافات. وأيضاً هو إشارة إيجابية تحظى بالترحيب العربي، الحريص على رؤية استمرار الحوار بين القوى الفلسطينية؛ لكونه أداة العبور الآمن إلى الخلاص.

بهذا المعنى ومن هذا الجانب كان اجتماع دمشق (عباس ـ مشعل)، موضع ارتياح. لكنه بقدر ما كان حاجة بذاته بقدر ما كان ينبغي أن يخرج بنتائج إيجابية ملموسة، فهي مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى ثم إن انتظارها قد طال، والأزمة تمادت أكثر مما تحتمله الحالة الفلسطينية.

وتفاقمها راكم الكثير من الخيبات والإحباطات. لاسيما وان المطلوب معروف والبدائل عنه كارثية، أولوية الوحدة الوطنية يُجمع عليها جميع الأطراف، والوضع الفلسطيني محكوم بهذا الخيار، إذا كان ينشد الصمود في وجه الاحتلال الإسرائيلي وتفشيل مشاريعه وعدوانيته.

بيد أنه بالرغم من كل هذه الأمور، التي صارت بمثابة البديهيات، لم يقوَ اللقاء على تحقيق أي تقدم، خرج بالتوكيد فقط على تحريم إراقة الدم الفلسطيني بأيد فلسطينية؛ وبترحيل الحوار واستكماله في غزّة؛ مع الاعتراف بوجود خلاف في المواقف، التحريم هذا تكرر حدوثه وصار كاللازمة، مع أنه كان يفترض أن يصبح من المسلمات التي لا تحتاج إلى تأكيد.

والأسوأ أنه بالرغم من تكرار الالتزام به، جرى خرقه في أكثر من مرة؛ في الآونة الأخيرة، فالدم الفلسطيني نزف برصاص فلسطيني، ولوهلة ساد الظن بأن الحرب الأهلية واقعة لا محالة، ثم أيضاً التكرار لمقولة الحوار والاتفاق على استئنافه ومواصلته.. الخ.

الحوار لا بديل عنه، لكن لا لكي يتحول إلى حوار من أجل الحوار، الهدف منه أن يقود إلى أرضية مشتركة ينهض عليها بناء وطني مشترك؛ من جهة لوقف النزف والضعف الداخليين؛ ومن جهة ثانية لتحصين الساحة الفلسطينية بوجه العدوان المتواصل عليها من جميع الجوانب وبجميع الأسلحة، فإما أن تكون هناك نية لبلوغ هذا الهدف وإما أن يكون الحوار مجرد زعم يراد به التمييع وشراء الوقت.

لقاء أبومازن ـ مشعل جرى. التلافي السياسي المنشود لم يتحقق ولن يتحقق من دون مرونة وتنازلات؛ خاصة عن المواقف اليابسة. اللحظة تستدعي التزحزح. والإصرار على عبارة أو صيغة ولو على حساب الاتفاق الوطني لا يخدم القضية، في هذا الوقت.