في مدى نصف قرن ونيف استطاع الإنجليز تحويل السودان نوعياً من دولة تنتمي إلى القرون الوسطى إلى دولة حديثة تنتمي إلى القرن العشرين.
وفي مدى نصف قرن لاحق كان «الإنجاز» المشترك للأنظمة والحكومات «الوطنية» المتعاقبة على الحكم منذ «إعلان الاستقلال» في يناير 1956 وحتى اليوم هو تدمير الدولة السودانية الحديثة، ومع ذلك «يحتفل» السودانيون سنوياً بذكرى الاستقلال ورفع العلم.
الإدارة الاستعمارية البريطانية أورثت الحكم الوطني بنى تحتية متينة لتكون أساساً جاهزاً لتنفيذ برمجات نهضوية استكمالاً لمنجزات العهد الاستعماري، وفي مقدمة هذه البنى التحتية نظام للتعليم بمراحله المختلفة كان الأفضل في العالم العربي وإفريقيا، فعند نهاية المرحلة المدرسية الثانوية كان طلاب السودان يجلسون لامتحان الشهادة المدرسية لجامعة كامبردج البريطانية.
وباستثناء الجامعة الأميركية في بيروت كانت جامعة الخرطوم الأكثر تميزاً أكاديمياً في العالم العربي، فقد كانت درجاتها لا تحتاج إلى «معادلة» إذا قدمت إلى جامعات بريطانيا وكندا وأستراليا.
ولأن النظام التعليمي كان يغذي الخدمة المدنية بالكوادر فإنها كذلك كانت أفضل جهاز من نوعه في العالم العربي وإفريقيا، ومثل النظام التعليمي كان النظام العلاجي مجانياً أو شبه مجاني، فلم يعرف السودان آنذاك بدعة المستشفيات التجارية «الاستثمارية» التي تقوم على مبدأ «خفض التكلفة لأدنى حد لتعظيم الربح إلى أقصى حد».
وتركت الإدارة البريطانية أيضاً للسودان قضاء مستقلاً وجهاز شرطة لا يتحكم في أي منهما سوى مبدأ سيادة القانون. فلم تكن هناك محاكم استثنائية أو اعتقال تحفظي لأمد غير محدد.
وإجمالاً نستطيع أن نقول إنه في ظل نظام قضائي مستقل وخدمة مدنية حيادية تتميز أيضاً بالكفاءة العالية والنزاهة ونظام تعليمي لا مجال فيه إلا للأكثر تفوقاً وليس الأكثر ثراء كان عهد الإدارة البريطانية في السودان مبرأ تماماً من داء الفساد، وربما يستغرب قسم من القراء السودانيين أو العرب عموماً دفاعي عن نظام استعماري، وربما يستهجنون ذلك. وهنا أتساءل: كيف يتسنى لنا تشخيص محنة السودان إذا كنا نستحيي من الحق؟
إن أية عملية تشخيص لهذه المحنة ينبغي أن يكون تساؤلها الاستهلالي ما يلي: كيف كان السودان في عهد الإدارة الاستعمارية؟ ولماذا آل إلى ما آل إليه في عهد الاستقلال على مدى السنوات الخمسين الأخيرة؟
ومن هذا التساؤل الأكبر تتداعى ملاحظات وتساؤلات فرعية.
لماذا انهار نظام التعليم فأصبحت الجامعات تخرج نصف متعلمين والمدارس تخرج جهلة؟
وبعلاقة السبب والنتيجة نعلم أن انهيار النظام التعليمي هو العلة الأساسية لانهيار الخدمة المدنية، وبالتداعي تشمل التساؤلات الأخرى ظواهر التدهور الاقتصادي والتي ترتبط عضوياً بممارسات الفساد المنظم.
لقد تعاقبت على السلطة في السودان منذ الاستقلال حكومات حزبية ديمقراطية وأنظمة انقلابية استبدادية، وكلها مسؤولة عن المحنة على نحو أو آخر. فالمحنة لم تقع دفعة واحدة وعلى نحو فجائي وإنما هناك خط بياني متهابط بانتظام منذ عام 1956 وحتى يومنا هذا.