رغم جميع الأزمات التي تشهدها إدارة بوش الحالية في العراق والنصائح التي تُقدم لها بشأن الانسحاب منه، والانتفاضة الداخلية الغاضبة على سياسة المحافظين الجدد الدموية .
والتي تقود حسب تعبيرهم إلى إزهاق أرواح الأميركيين خارج أرضهم، إلا أن ليس هناك بوادر إطلاقاً تشير إلى تغييرات إيجابية ستدخل حيز التنفيذ على أرض الواقع بهذا الخصوص على مدى السنوات القليلة المقبلة أو حتى انتهاء ولاية بوش الرئاسية الثانية على الأقل، ما يجعل المنطقة مخولة للدخول في توترات جديدة قد تقود إلى نفق مسدود ومظلم من الأزمات يصعب معها التوصل إلى حل للمشكلات المستعصية التي تعاني منها.
ولاسيما إذا أقدمت إدارة بوش على ارتكاب حماقة سياسية جديدة في المنطقة بتوجيه ضربة عسكرية لإيران والتي قد تعتبرها نوعاً من الهروب إلى الأمام. وربما بدا من الواضح أن الإجراءات الأميركية الجديدة في المنطقة من زيادة أعداد القوات والتجهيزات العسكرية في العراق والخليج العربي ليس الهدف منها أمن العراقيين كما أشار بوش.
وإنما الهدف هو إيجاد حاجز عسكري محكم للوقوف في وجه إيران النووية يمكنها من توجيه ضربة لتلك الدولة الخارجة عن رغبات الإدارة الأميركية التي حرصت أيضاً على تعزيز فكرة الخوف من إيران النووية سياسياً من خلال الجولة الدبلوماسية لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس التي ركزت فيها على خطورة هذا الملف، وضمان وقوف الأمم المتحدة في الصف ذاته من خلال تصريحات أمينها العام الجديد بان مي كون بعد لقائه الرئيس الأميركي أن الملف النووي الإيراني وكيفية التعامل معه من أهم أولوياته.
وبذلك فإن أميركا تعد العدة ليس للانسحاب من العراق خلال فترة محددة كما يظهر للبعض، بل إنها على العكس تعمل على توسيع نطاق نشاطها في المنطقة وتعزز وجودها فيها حتى ولو أتت التقارير الكثيرة بعكس هذه السياسة، لأن ما تفعله الإدارات الأميركية هو ما ينصب في مصلحتها وما تراه يناسب مكانتها الجديدة في العالم كسيدة له.
وعليه فإن بوش يرى أن على الجيش الأميركي أن يمتلك القدرة للبقاء والصمود في القتال لفترات طويلة من الزمن، لأن حلم السيطرة على المنطقة بشكل كامل من خلال توسعة الحرب لتشمل المناطق المجاورة للعراق لم يغادره منذ أن تملكته نشوة النصر بعد إسقاط نظام صدام حسين قبل أربع سنوات تقريباً وشعوره بتحقيق إنجاز أميركي لا سابق له.
ولهذا فإن الاستراتيجية الجديدة التي تشهد جدلاً أميركياً داخلياً لا تهم المنطقة المأزومة إلا بالنتائج التي ستنعكس عليها، فليس المهم إن قبل بها أعضاء الحزب الديمقراطي أم لم يقبلوا، لأن هذا الأمر هو شأن داخلي يهدف بكل حالاته إلى خدمة الأميركيين أنفسهم من خلال توجهات الحزبين الجمهوري والديمقراطي الساعيين من خلال النزاعات بينهما للاستحواذ على السلطة.
وكما أصبح معروفاً فإن الأمور الداخلية تأخذ منحى والسياسات الخارجية تتجه لإجراءات أخرى مغايرة فالشعب الأميركي كان معارضاً لغزو العراق ومعه العالم كذلك، إلا أن العملية العسكرية تمت وفاز بعدها بوش بولاية دستورية جديدة، ورغم الاعتراضات الداخلية الكثيرة حالياً على إرسال الجنود الأميركيين للخدمة خارج أوطانهم إلا أن الزيادة تمت وهناك إشارة من وزير الدفاع الأميركي الجديد روبرت غيتس إلى إمكانية زيادة القوات الأميركية في أفغانستان لتعزيز السيطرة على المنطقة بشكل أكبر.
ولإرضاء الداخل الأميركي الغاضب وجد الرئيس بوش بلقائه وعناقه أحد الجنود المصابين العائدين من العراق واعترافاته المتلفزة أن إدارته ارتكبت بعض الأخطاء مخرجاً عاطفياً يرضي المتظاهرين ضد سياساته، بالإضافة إلى الاتجاه باستراتيجيته الجديدة نحو تصدير الأزمة إلى الآخر وتحميله تبعات الاخفاقات.
وذلك باتهام حكومة المالكي التي تنفذ التعليمات الأميركية بدقة أنها غير ناضجة والتشكيك بقدراتها على فرض الأمن في العراق، وأنها تصرفت بطريقة انتقامية طائفية في عملية إعدام صدام حسين لتتحول بالتالي النقمة إلى تلك الحكومة التي من المفارقة وحدها أنه سيعهد لها تنفيذ تلك الاستراتيجية الأميركية الجديدة.
وبذلك فإن الإدارة الأميركية تعود مجدداً إلى خلط الأوراق في المنطقة واعتماد مبدأ المراوغة وزعزعة الاستقرار بدلاً من البحث عن وسائل كفيلة لإنهاء حالتها المأساوية والتي كانت حصيلتها 34 ألف قتيل عراقي مدني العام الماضي. ويبقى الاختبار الحقيقي المقبل والأهم هو الطريقة التي ستتعامل فيها دول المنطقة مع الرؤية الأميركية الجديدة، والتي ستحرص خلال السنوات المقبلة وكما تشير سياساتها المتعجرفة على تأزيم الوضع في المنطقة بشكل أكبر ليكون وجودها فيها قدراً لا مفر منه.
Omarb_4@hotmail.com