في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تحاول الحصول على قرار من مجلس الأمن لشرعنة غزو العراق دوليا، لم يكن من المستساغ ان يأتي كولن باول وزير الخارجية يومها إلى مجلس الأمن ليطلب إصدار قرار يخول بلاده استعمال القوة واحتلال العراق نظرا لأن نظام الرئيس صدام حسين نظام غير ديمقراطي.
فمثل هذه الحجة ما كانت لتكون موضوعا قابلا للنقاش في مجلس الأمن بين الولايات المتحدة وحلفائها وبين بقية أعضاء المجلس، كما انه لم يكن بالإمكان إقناع الرأي العام الأميركي للحصول على رضاه من اجل إرسال آلاف الجنود وصرف مليارات الدولارات لخوض حرب هدفها الوحيد المعلن هو إسقاط النظام السياسي في العراق لأنه نظام دكتاتوري لا يحترم حقوق الإنسان .
وكأنه النظام غير الديموقراطي الوحيد في العالم او ان الشعوب التي يحكمها حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة ذاتها، تتنعم في واحة من الديمقراطية والكرامة ولا ينغص راحتهم فيها شيء سوى وجود نظام دكتاتوري وحيد في العراق، ان مثل هذه الحجة كانت ادعى إلى السخرية في نظر الرأي العام الأميركي أكثر منها تبريرا مقبولا للدفاع عما يعتبره مصالح كونية أميركية لا يجوز التساهل مع من يمثل تهديدا لها.
ولذا فقد وجدت الإدارة الأميركية في دعوى أسلحة الدمار الشامل حجة يمكن تسويقها داخليا باعتبار ان قناعة العالم الخارجي بهذه الحجة ليس لها أهمية قبول الشعب الأميركي بها، اذ ان قوى العالم مجتمعة لاتجرؤ على اعتراض الفيالق الأميركية حينما تتدفق عبر العراق مدعومة بأعتى التكنولوجيا ورضى غالبية الشعب الأميركي.
لقد اعتمدت الولايات المتحدة رسميا حجة اسلحة الدمار الشامل كسبب لغزو العراق بينما ظلت دعوى الديمقراطية حجة ثانوية يقصد به تبيان جدية الخطر الداهم الذى تمثله أسلحة الدمار العراقية لأنها يمتلكها نظام دكتاتوري، ولهذا بدا الأمر لا يعنى الحلفاء غير الديمقراطيين في المنطقة، لأ نهم عقلاء لم يفكروا ولم يرتكبوا خطيئة امتلاك مثل هذه الأسلحة .
ومن هنا فقد كان ذلك بمثابة طمأنة لهم من ناحية وحثا لهم من ناحية أخرى على التفان والجدية في التعاون من اجل انجاز مشروع الإطاحة بنظام كثير الأخطاء كبير الطموحات، ولذا فإن دعوى الديمقراطية لم تكن مدعاة لمخاوفهم وتوجساتهم، بل انهم كانوا يدركون بأن حجة أسلحة الدمار الشامل ليست هي السبب الحقيقي للغزو والاحتلال، فموقف صدام حسين من إسرائيل وطريقة تصرفه في الثروة النفطية ونظرته إلى خرائط سايكس بيكو، هي المآخذ الأميركية والغربية الحقيقية على نظامه.
بينما هم براء من كل هذه التهم ولا ترقي الشكوك الغربية إلى مواقفهم بخصوص هذه المحرمات، غير ان تطور الأحداث والمفاجآت التي صاحبت عمليات انجاز المشروع أدت إلى استبدال بعض الأولويات والحجج بأولويات وحجج أخرى تتوافق مع ما تم تحقيقه من نتائج مبهرة في بدايات الغزو فترتب على ذلك تغير في مفردات الخطاب الأميركي وفي النظرة إلى هؤلاء الحلفاء، وكان من اهم هذه التطورات والمفاجآت :
1 ـ الانهيار العراقي السريع والنصر الأميركي الخاطف دون خسائر تذكر، فكان ذلك بمثابة الطعم الذي فتح الشهية الأميركية على إمكانية تحقيق انتصارات أخرى أسرع وايسر واقل تكلفة، بل بدا لصانع القرار الأميركي لحظتها بأنه قد لا تكون هناك حاجة بعد الآن للحشد والغزو فالإنذار الذي وجه إلى صدام حسين ورفضه قبل الغزو، أصبح الآن يكفي كوسيلة تغني عن الحشد والغزو في مواجهة اي حاكم في المنطقة بعد ان رأى الجميع نتائج عدم الانصياع للإنذارات الأميركية.
2 ـ عدم العثور على اية مواد او منشآت لتقديمها كدليل على وجود أسلحة دمار، فقد زاد هذا من حرج موقف الإدارة الأميركية ليس امام العالم الذى تحدته، بل أيضا - وهذا الأهم - أمام الرأي العام الأميركي الذي أخذت قطاعات منه ولاسيما المعارضة لفكرة الحرب تطالب بالكشف عن هذه الأسلحة المزعومة التي كانت تشكل خطرا على الأمن الأميركي حسب ادعاءات إدراة الرئيس بوش.
ولذا فقد كان لزاما على هذه الإدارة التخلي عن تلك الحجة بتبني الدعوى الديمقراطية وربطها بأمن الولايات المتحدة والعالم فالاضطلاع برسالة الديمقراطية وفرضها في منطقة تعد المأوى الحصين لأعتى وأبشع الدكتاتوريات، يعتبر في حد ذاته عملا إنسانيا شبيها بعمليات النجدة والإنقاذ الإنسانية التي تحث عليها مواثيق حقوق الإنسان، هذا إلى جانب ان سياسات القمع الوحشية وأجواء العنف الهمجية، التي دأبت أنظمة المنطقة على ممارستها، كانت بمثابة البيئة الحاضنة للتعصب.
والتطرف الذي افرخ عنفا لم تعد الولايات المتحدة والعالم بمنأى عن إرهابه الأعمى، ولهذا فإن زرع أنظمة ديمقراطية في هذه المنطقة ولو باللجوء إلى القوة أحيانا هو في واقع الأمر وقبل كل شيء دفاع عن امن المواطن الأميركي في بلده، بل وحماية لأرواح الأبرياء في كل بقاع العالم.
هكذا تم تغيير مفردات الخطاب وتعديل رسالة الغزو دون ان يفقدا صلتهما الوثيقة بأمن الولايات المتحدة والمواطن الأميركي المطلوب منه الاستمرار في دعم وتأييد سياسة الغزو والاحتلال.
كان هذا التبدل في فحوى الرسالة التي يحملها الغزو بمثابة رشوة لشعوب المنطقة الفاقدة لروح الفعل الجماعي العاجزة عن فك أسرها بنفسها من الأنظمة التي تستعبدها.
فخلق ذلك حالة غير مسبوقة من العراك والجدل والتنظير تربط بين الغزو والاحتلال والتحرير، غير ان الأثر الحقيقي لهذا التبدل هو الذي انعكس على الأنظمة السياسية العربية بما في ذلك الحلفاء الذين تفانوا في التعاون مع كل الغزوات الأميركية والغربية في المنطقة وظنوا انهم في مأمن منها، فكان المشهد صبيحة الاحتلال منقسماً بين من يفتون بجواز الغزو والاحتلال نظرا لوجود شبهة الديمقراطية وبين أنظمة مرتعدة تتهم أولئك بالتآمر مع الأجنبي دون ان تتوقف عن التفاني في خدمته على حساب الوطن وعلى أمل ان يغير مرة أخرى من أهدافه.
كاتب ليبي