ثمانية أطفال أقدموا على شنق أنفسهم مقلدين مشهد إعدام صدام حسين الذي بثته القنوات الفضائية أول أيام عيد الأضحى المبارك. هذا هو عددهم حتى ساعة كتابة هذا المقال، ونرجو أن لا يزيد. أما جنسيات هؤلاء الأطفال ومواطنهم فقد تنوعت وتوزعت من الشرق في باكستان إلى أقصى الغرب في الولايات المتحدة الأميركية غير مفرقة بينهم في اللون والدين وإن كانوا جميعهم من الذكور.
لسنا في مجال الحديث عن قضية إعدام صدام حسين نفسها التي قسمت العالم إلى مؤيد ومعارض، شأنها شأن كل شيء في هذه الحياة، حتى لو كان هذا الانقسام مثيرا لجدل سيبقى قائما ما بقي الناس مختلفين في الميول والمصالح وأنماط التفكير ووجهات النظر وتقسيم البشر إلى شياطين وملائكة تبعا للزاوية التي ينظرون منها إليهم. ما يهمنا في ظاهرة شنق الأطفال الثمانية أنفسهم مقلدين مشهد الإعدام هو معرفة إلى أي مدى أصابت وسائل الإعلام في عرض المشهد وإلى أي مدى أخطأت؟
وما هو دور أسر هؤلاء الأطفال الذين شنقوا أنفسهم في السماح لأطفالهم بمشاهدة مناظر من هذا النوع؟ وهل كان لهم دور في حشدهم للإقدام على فعل كهذا أم أنهم كانوا غائبين عن المشهد وأبناؤهم يشاهدون لقطة الإعدام تتكرر مئات المرات على شاشات التلفزيون طوال اليوم؟
اللافت في الأطفال الثمانية الذين شنقوا أنفسهم بالطريقة نفسها التي شاهدوها على شاشة التلفزيون هو أن أعمارهم قد تراوحت بين التاسعة والثانية عشرة. واللافت أكثر في حالة الطفل اليمني «صدام حسين الجاكي» الذي تقطن أسرته منطقة سنحان بمحافظة صنعاء أن أباه قد أطلق عليه هذا الاسم «حبا منه لهذا الرمز القومي والعربي.
وحبا لمواقفه النضالية التي لا تنسى» حسب تعبير الأب الذي اغرورقت عيناه بالدموع وهو يروي حادثة ابنه الذي شنق نفسه متأثرا بتنفيذ حكم الإعدام في «الرمز القومي والعربي» الذي بدأ يهتم بمتابعة مواقفه والإعجاب به والاهتمام بشخصيته ومحاولة تقليدها منذ أن بدأت درجة «الوعي» تنمو عنده.
- كما يقول والده - حتى جاءت الأحداث الأخيرة المتمثلة في الغزو الأميركي للعراق، ومن ثم جلسات المحاكمة للشهيد صدام حسين (والتعبير ما زال للأب المكلوم بفقد ولده) فأخذ صدام حسين اليمني يتابعها عبر القنوات الفضائية، وكان يشتم القضاة الذين يحاكمون صدام حسين العراقي ويقول: «هؤلاء مش عرب، ولا أوادم، ولا توجد عندهم عقيدة أو إرادة».
وعندما قال صدام في إحدى الجلسات: «أنا رئيس العراق حتى هذه اللحظة» صفق الابن من شدة الفرحة وهتف بأعلى صوته «صدام.. صدام.. صدام». لكن صدام الصغير لم يحتمل رؤية مشهد إعدام صدام الكبير فسيطر عليه الحزن وحاول شنق نفسه أكثر من مرة حتى نجح في الانتقال إلى العالم الآخر في اليوم الرابع من تنفيذ حكم الإعدام في صدام.
ترى من هو الملوم في هذه المحصلة التي نتمنى أن تقف عند هذا الرقم من الأطفال الذين شنقوا أنفسهم متأثرين باللقطة التي استهوت محطات التلفزيون فأخذت تعيد عرضها على شاشاتها حتى حفظها الصغار قبل الكبار ليندفع بعضهم إلى تقليدها غير مدركين لخطورة الأمر، وربما لا تزال مخزونة في عقول البعض منهم يتحينون الفرصة المناسبة لمحاكاتها؟
هل هم أولياء أمور هؤلاء الأطفال الذين سمحوا لهم بمشاهدتها دون أن يعوا خطورتها على عقولهم الصغيرة، أم هي تلك القنوات التي غدت مواثيق شرفها مطاطة تتسع وتضيق حسب الحالة التي تتعامل معها، وتبعا للجمهور الذي تستهدفه، والمشاعر التي تستفزها أحيانا وتستقطبها أحيانا، والمواقف التي تتبناها غير آبهة بما يمكن أن تهدمه من عقول الكبار.
وما تزهقه من أرواح الصغار الذين تنضج أفكارهم وتتشكل شخصياتهم تحت تأثير هذا الصراخ غير المنضبط وهذا الغبار الذي تثيره هذه الفضائيات حاجبة الصورة عن أعين الجميع صغارا وكبارا، في زمن أصبح فيه للحقيقة أكثر من وجه وللون أكثر من اسم حتى لم نعد نميز فيه بين الأبيض والأسود ولا الليل والنهار؟ثمة من هو جاهز للمتاجرة بأي شيء دون الالتفات إلى العواقب طالما أن هذه التجارة ستدر عليه ربحا.
وهذا ما ستفعله إحدى الشركات الأميركية المتخصصة في صناعة دُمى المشاهير والشخصيات العامة التي أعلنت أنها تستعد لتصنيع دمية تمثل الرئيس العراقي السابق صدام حسين وهو معلق في حبل المشنقة، حيث أكد «اميل بيكالي» رئيس شركة «هيرو بيلديرس» أن الشركة قررت طرح أحدث إنتاجها متمثلا في دمية لإعدام صدام حسين باعتباره شخصية العام على حد قوله.
ربما كان هذا مبررا تجاريا، وليس إنسانيا، لشركة أميركية تسعى إلى الربح فقط دون أن تحسب حسابا لأي شيء آخر، حتى لو أدى هذا الربح إلى إزهاق أرواح أطفال سوف تدفعهم دمية كهذه إلى محاكاتها وإنهاء حياتهم بالطريقة نفسها التي أنهى الأطفال الثمانية حياتهم بها.
ولكن أي شيء يبرر لمحطات تلفزيون عربية يعنينا أمرها أن لا تحسب حسابا لفعل من هذا النوع تذهب معه أرواح أطفال أبرياء ضحية تقليد أعمى لا يعرفون خلفيته ولا أبعاده ولا نتائجه؟ وأي شيء يبرر للأهالي السماح لأطفالهم بمشاهدة لقطات من هذا النوع يتأثر لمشاهدتها الكبار؟
وأي شيء يبرر لبعض الآباء والأمهات أيضا شحن أبنائهم الذين هم دون سن النضج بأفكار سياسية ما زال الوقت مبكرا كي تعيها عقولهم الصغيرة وتستوعبها نفوسهم الغضة؟ هل ترانا بحاجة إلى فتح ملف أخلاقيات الإعلام من جديد أم نحن بحاجة إلى إعادة تصنيع إعلام الأخلاقيات الذي يعي دوره جيدا فيمارسه بالشكل الذي لا يضلل العقول فيصنع من الطغاة أبطالا ومن الجلادين ضحايا؟
ثمة أناس يدهشونك بمدى قدرتهم على قلب الحقائق وإلباس الباطل ثوب الحق ومزج الألوان حتى يصيبوك بالعمى فلا تستطيع أن تفرق بينها. هؤلاء هم الذين نوجه إليهم أصابع الاتهام بأنهم قتلة الأطفال الذين يقفون بمنأى عن المشهد مدّعين البراءة.
فقد قتلوا الأطفال يوم أن قتلوا في أولياء أمورهم المقدرة على التمييز بين الحق والباطل. وقد قتلوا الأطفال يوم أن استغلوا مشاعر الناس البسطاء وعواطفهم فألهبوها في زمن النيران المشتعلة في كل أنحاء وطننا العربي الذي يحترق. وكلما أقدم طفل على شنق نفسه ثبتت التهمة عليهم واستحقوا أن نقول لهم: «كفاكم صبّ المزيد من الزيت على النار. كفاكم تغييبا للعقل والمنطق لدى الكبار. كفاكم قتلا لهؤلاء الصغار، فما عاد لدينا من رصيد سوى أطفالنا الذين نعدهم للمستقبل، فرفقا بمستقبلنا يا من تعتاشون على الماضي وتجترونه وتجروننا إليه معكم».
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com
