كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن استراتيجية الرئيس بوش للعراق. وقد انقسم العالم حولها بين متمنّ لها النجاح ومتنبئ لها بالفشل. وقد جاءت وزيرة الخارجية الأميركية إلى المنطقة العربية في مسعى معلن لتسويق هذه الاستراتيجية التي لاقت الترحيب من الجميع.
في هذا الخضم لم نسمع أحدا تكلم عن الاحتلال الأميركي للعراق وضرورة جلائه... أو على الأقل وضع جدول زمني لانسحاب القوات المحتلة من باب فتح أفق سياسي أمام شرفاء العراق وهم الأغلبية الساحقة... أفق يمكن البناء عليه لتصحيح كل الأخطاء القاتلة وفي وضع حد لحملات الإبادة الجماعية اتي تستهدف أبناء العراق من سنة وشيعة خدمة لاحقاد وأجندات صفوية وصهيونية لم تعد خافية على أحد.
فهل كتب على النظام ارسمي العربي الاكتفاء دوما بالانخراط في الاستراتيجيات الأميركية سواء للعراق أو لفلسطين مع أن هذه الاستراتيجيات تستجيب لمصالح أميركية وتلتقي مع رغبات ومصالح الحليف الاسرائيلي وتتقاطع بالكامل مع مطالب العرب ورغباتهم؟.
هذا السؤال يستمد مشروعيته من هذا الغياب المحيّر لأي تصوّر عربي أو استراتيجيا عربية أو رؤية عربية تخص حاضر العراق ومستقبله... ومن عجيب المفارقات أن العرب، في هذا الباب، يصرون على التشبث بأخطاء الماضي وبسياسات الماضي مع أنها لم تسمن ولم تغن من جوع... وفي طليعة هذه الأخطاء أننا وضعنا كل أوراق حل القضية الفلسطينية في أياد أميركية وركنا إلى سبات عميق حتى دخلت القضية في أنفاق مظلمة وخرج العرب بالكامل من ميزان التسوية العادلة التي تلبي المطالب الوطنية للشعب الفلسطيني ولو في حدودها الدنيا... هذا الخطإ الذي ارتكبه العرب في تعاطيهم مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين هو الآن بصدد التجدد مع الاحتلال الأميركي للعراق... حيث يكتفي العرب بوضع كل الأوراق في أيدي الإدارة الأميركية ويلوذون بالصمت في انتظار معجزة لن تأتي... وبذلك فإنهم يساعدون، من حيث يدرون أو لا يدرون، على إطالة أمد الاحتلال الصهيوني لفلسطين والأميركي للعراق... وعلى تأجيل حق هذين الشعبين في التحرر والانعتاق...
فهل ينتبه العرب إلى هذه الثغرة القاتلة لانقاذ ما يمكن انقاذه؟ سؤال لا مفر من الإجابة عنه إذا كنا نرغب في ولوج ساحة الفعل والتأثير في ما يخص قضايانا المشروعة.. بدل الاكتفاء بالتمنّي والتعويل على النوايا الحسنة للآخرين... وهذه مفردات غير موجودة في قاموس لعبة الأمم ومصالح الدول.