ليس جديدا القول ان العراق يغرق في دوامة العنف الطائفي والمذهبي، وإن اتسعت هذه الدوامة فمن المؤكد أن ينجرف الى حرب أهلية واسعة تشمل كل مكونات الشعب العراقي الدينية والعرقية.

دروس التاريخ علمتنا أن الدول ذات المكونات المتعددة طائفيا ودينيا ومذهبيا وإثنيا اذا ما وجدت حاكما قويا يحافظ على التوازن الاجتماعي لشعبه فان من شأن الفتن والاتهامات السلبية ان تكون مفجرات للتفكك والتشرذم والاقتتال الداخلي، حيث يتخذ رجاله من هذه الارضية سببا لتحقيق أغراضهم وأهدافهم المشبوهة بالضد من مصالح شعبهم ووطنهم.

لقد استطاع المحتل الاميركي أن يستند إلى سياسة التفريق بين ابناء الوطن الواحد، وبالتالي ينفذ وبهدوء سيناريو الصراع الطائفي والمذهبي كسلاح الى جانب منظومة أسلحته العسكرية ليضمن عدم استقرار الوضع الامني لهذا البلد العربي، وابقاءه بعيدا عن حاضنته العربية، بل وخارج المشهد العالمي لإلهاء الشعب العراقي عن مقاومة الاحتلال والتطلع الى الحرية والاستقلال بامتلاك مقدراته الاستراتيجية، وبالتالي تعزيز الولايات المتحدة لموقعها الواهن في الوطن العربي، أو ما تطلق عليه منطقة الشرق الاوسط، من خلال احكام سيطرتها العسكرية والاقتصادية على العراق، واعتبار ساحته قاعدة متقدمة لما تسميه الارهاب العالمي.

لقد باتت التجزئة الجغرافية التي عاد الاستعمار الحديث الى تفجيرها في المنطقة العربية، العنوان الاكثر وضوحا منذ عقود، فالخرائط التي وضعتها الولايات المتحدة وحليفتها اسرائيل، رأت النور في اكثر من بقعة، ليس العراق آخرها على ما نعتقد، والعارفون ببواطن الامور يدركون أن بعض القيادات في المنطقة والخصومات فيما بينها تلعب دورا خطيرا في هذا الصدد.

لم نكن الى ما قبل الغزو الاميركي للعراق، كشعوب عربية، نقلق من هشاشة خريطتنا الجغرافية والاجتماعية والاثنية، ومكونات مجتمعاتنا الاخرى لأن النشأة الاولى حيث كان الوطن الذي من خلاله تجانست الاعراق والروابط الدينية والقومية أقوى بكثير من محاولات الاستعمار لتفكيكها بسهولة، الى ان جاء الغزو الاميركي للعراق، وقبل ذلك الاحتلال الصهيوني لفلسطين حاملا معه وسائل التفريق بين أبناء الوطن الواحد.

ولم تعد التصريحات التي تصدر من هنا وهناك لتنفي هذه الحقائق، حتى ان بعضها ذهب بعيدا في رؤيته للحقيقة باللجوء الى ما يمكن ان نسميه بالغيبيات بالقول ان «حكومة العراق قد اختارها الله لتكون محطة لمواجهة الارهاب نيابة عن العالم»، وكثيرا ما قال الرئيس الامريكي جورج بوش مثل هذا الكلام، في محاولة للهروب بالنفس من المسؤولية عما تخلفه هذه الحرب من مآس ونكبات.