الزمن الذي نعيش فيه، هو زمن حروب بامتياز. حروب من كافة الأصناف. منها الخارجي، ومنها المحلي الداخلي، ومنها تلك التي يشنّها الإنسان على البيئة. عالم مهووس بالمجابهات. لكن إذا كانت كل من الأولى والثانية، محكومة بأن تضع أوزارها وتطوي صفحاتها؛ مهما طال أمدها؛ وبالتالي فان نتائجها، هي الأخرى، محكومة بالتصحيح والمعالجة؛ إلا أن الحرب على البيئة غير مقبولة آثارها المدمرة، إذا تجاوزت الخطوط الحمراء، للتصحيح والاستدراك.
على الأقل في المدى المنظور. الخراب في الطبيعة، قد يقوى الإنسان على التسبب به. لكنه يعجز عن التحكم في حجمه ومداه بكل ما يجرّه من انكسارات في المعادلات المناخية والحياتية والبيئية؛ فوق هذا الكوكب. ومثل هذه الحالة المرعبة، ما عادت مجرد خيال أو تصوّر، حسابي أو تخويفي. صار احتمالاً يزحف نحونا بثبات. ولو ببطء.
وأخبار الزحف يحدثنا عنها العلماء وليس غيرهم. فهم أهل المعرفة في هذا الشأن.وتوقعاتهم مبنية على أبحاث وتجارب وقياسات لا تقبل الطعن. ولو شكك فيها البعض، لغايات اقتصادية أو سياسية تتعلق بالمنافسة على النفوذ والموقع العالمي.
آخر البيانات في هذا الخصوص، يحملها تقرير، جرى إعداده برعاية الأمم المتحدة ومن المتوقع صدوره في الثاني من شهر فبراير المقبل.ما تسرّب منه يحمل أقوى التحذيرات، القريبة من الإنذار، حول الاحتباس الحراري المتزايد؛ للكرة الأرضية وإذ يعزو البحث الارتفاع في درجة الحرارة إلى التراكم المتصاعد، في الفضاء لغاز ثاني أوكسيد الكربون وغيره من الغازات المتأتية من الآلة الصناعية ـ التي تستهلك ثلث الطاقة المستخدمة ـ ومن وسائل النقل الحديثة ـ التي تستهلك ربع تلك الطاقة-؛ إلا أن هذه الاستعمالات حاصلة بفعل النشاط الإنساني الملوّث، وعلى هذا، يرى العلماء أن الارتفاع هذا قد يزيد بين 4 و8 درجات لو بقي هذا النشاط على حاله؛ من حيث درجة النقاوة لأنواع الطاقة المتداولة حالياً.
الأمر الذي لابدّ أن يؤدي إلى ذوبان جليدي متزايد ومتسارع؛ وبالتالي إلى ارتفاع منسوب مياه البحار؛ قبل نهاية هذا القرن. والمعروف أن نسبة الكربون ارتفعت إلى الضعف عما كانت عليه قبل عصر الصناعة ـ من 280 جزيئة بالمليون، من جزيئات الفضاء، إلى 380 في الوقت الحاضر؛ ومرشحة لبلوغ 450 إلى 550 في وقت هذا القرن-.
وكانت هذه الزيادات قد لوحظت أثناء مؤتمر كيوتو ـ اليابان ـ؛ الذي رفضت الدول الأكثر إنتاجاً لغازات الاحتباس ـ الولايات المتحدة، الصين والهند ـ التوقيع على مقرراته والالتزام بها؛ بزعم أن ذلك من شأنه أن يؤثر سلباً على اقتصاداتها وحركة عملية التنمية فيها.
العلماء أطلقوا، مراراً وتكراراً، تحذيراتهم؛ حول هذا الموضوع الذي يخص سلامة البشرية. والآن هم على وشك إطلاق صرختهم بل إنذارهم، بوجوب إعطاء هذا الشأن ما يستحقه من اهتمام واتخاذ ما يلزمه من خطوات؛ قبل أن تأخذ الطبيعة الأم الأمر بيدها وتتصدى بطريقتها للإفراط الإنساني المتمادي في الاعتداء على القوانين الأساسية الحاكمة لمعادلة الحياة. وعندئذٍ قد نعود مرة أخرى إلى العصور البدائية.