إذا ما عقدنا مقارنة عاجلة بين منظومة المقولات والأقاويل الصادرة عن طيف واسع من المسؤولين العرب وبعض قادة الغرب أو بين ما تنشره وسائل الإعلام العربية ونظيراتها في الغرب، فإن الملاحظة الفجة التي ستمتثل في أذهاننا حقيقة ساطعة إنما تكمن في أن الفريق الأول يأتي على ذكر القضايا العربية كما لو كان قادما من كوكب آخر أو مجتمع رغيد يعيش بأمن وسلام ولا ينقصه سوى المزيد من النهضة والازدهار، فيما يدخل الطرف الآخر إلى درجة التدخل إلى قلب شتى القضايا العربية ويفندها بالمعلومة والتفصيل المملين.

حتى الذاكرة الجمعية العربية لا تسلم من هذه المعادلة الكارثية ولا تشذ عن القاعدة المكررة حين يتعلق الأمر بالقضايا الكبرى التي ترسم المعالم الجيوسياسية للمنطقة وتقوم بتحديد مستقبل أجيالها ولو إلى حين قد طال أمده وأفقه بات حاليا من أي تباشير قد تنبئ بحلول نهار جديد بعد ليل دامس طويل الرؤية محجوبة فيه ولا حياة إلا لوطاوط الليل ومصاصي دماء الناس.

كي تعرف تاريخك الخاص عليك إلقاء نظرة على أرشيف غيرك، لكن ماذا عن ذلك التاريخ الذي تم تلقينه على مقاعد الدراسة جيلا بعد جيل .. هل كان كذبة؟ أم لمجرد التسلية؟ وإذا كانت زينة الإنسان العقل، فما هو مآل الإنسان العربي الذي تلقى عقله سلسلة عارمة من الأكاذيب والمعلومات المتلاعب بها والمضبوطة على إيقاع رغبة هذا الحاكم أو ذاك؟

وما الذي يتبقى من إنسانيته عندما يدرك متأخرا جدا أنه لم يكن سوى ألعوبة بين أيدي المتلاعبين؟ لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو : لماذا تفرج بعض دوائر الغرب عن جانب من أرشيفها وتحديدا ذلك المتعلق منه بتاريخ العالم العربي الذي يبدو أنه موشوح بالسواد؟

بالتأكيد إنه ليس للأمر أية صلة بغيرة الغرب على هذه البقعة من الكرة الأرضية أو على مستقبل أجيالها، لأن تلك الغيرة معدومة أصلا، فهذا الغرب بالذات هو الذي عاث ولم يزل نهبا وفسادا بمقدرات الشعوب العربية، لكن للمسألة بعدا نفسانيا صرفا المراد منه إطلاق رصاصة الرحمة على الجسد العربي المتهالك .

وإقناع الناس العادين بعدم جدوى الاهتمام بالشأن العام، على قاعدة أنه إذا كانت علية القوم بعيدة كل هذا البعد عن رسم سياسات بلدانها وعن امكانية التأثير في مستقبل شعوبها، فكيف هو الحال بالنسبة للمواطن المسكين المغلوب على أمره، الذي لا يجد نفسه آخر النهار إلا باحثا عن ما يعزيه من مقولات وأمثال تساعده على البقاء من نوع «اللهم أسألك نفسي».

تحت سقف الثورة الرقمية لا أحد حتى الآن قادر على الادعاء بأنه يمتلك قدرة السيطرة على مصادر المعلومات والتحكم بها، وبالتالي فإن العقل الفردي - الجمعي مشرعة أبوابه أمام سائر مشارب الأرض ومنابعها . وفي ظل عجز مطلق عن توفير بدائل حقيقية لما تم تلقينه على مقاعد الدراسة وعبر الشاشات الصغيرة وموجات الأثير، فإن هذا العقل يصبح عرضة لما هب ودب ولشتى أنواع التأثيرات الطالحة قبل الصالحة منها خاصة.

وأنها تعمل وفق مقولة «حق يراد منه باطل» وهنا يجد المواطن نفسه بين أواج الماضي القاتمة ولطمات الحاضر الصاعقة وضبابية المستقبل المسيطرة، ما يدفعه إلى حالة يائسة وقاتلة قوامها اللامبالاة والتقوقع على الذات الفردية المريضة بحيث يصبح مبتغاه الأخير لإيجاد ملاذ آمن لنفسه ليس إلا.

الحروب العالمية الكبرى لم تضع أوزارها قط والمتغير الوحيد بهذا الخصوص لا يتعدى موضوع أدوات شن هذه الحروب، حيث لا تجد الدول أحيانا حاجة إلى اللجوء للأدوات العسكرية المباشرة عندما تكون قادرة على تحقيق أهدافها بوسائل «ناعمة» تعفيها من بذل الغالي والنفيس من الثروات والنفوس في سبيل تحقيق تلك الأهداف.

لكن أنجع أداة على الإطلاق على هذا الصعيد إنما تتمثل في استلاب العقل وتحييده بواسطة قصفه بمجموعة هائلة من التناقضات العملاقة المدوخة في ظل حالة منقطعة النظير من انعدام توازن القوى يواجه فيها عقل فرد آلة فكرية وإعلامية جبارة تحركها عقول متخصصة ودارسة وعالمة ولا تنقصها الخبرة.

وإذا تضافرت مع هذا المعطى الخطير عوامل داخلية أخرى من نوع غياب الديمقراطية والمشاركة السياسية وتفشي ظاهرة الإقصاء الاجتماعي، فإن الداء يكون قد استفحل إلى الدرجة القصوى بحيث لا يبقى من علاج سوى الكي.

bassil@albayan.ae