تتوقع مختلف المؤسسات الاقتصادية الدولية والإقليمية وكبريات الشركات المالية حدوث تباطؤ معين في النمو الاقتصادي العالمي وعلى مستوى المناطق والبلدان، لكن ليس بذات الوتيرة. منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية توقعت في شهر نوفمبر الماضي أن النمو الاقتصادي لثلاثين بلدا من أعضائها سينخفض من 2, 3% عام 2006 إلى 4 ,2% في العام الحالي 2007، واليابان من 8, 2 إلى 2%، وفي منطقة اليورو من 6, 2 إلى 2 ,2%.وحسب تنبؤات البنك الدولي المنشورة في نهاية ديسمبر 2006 سينخفض معدل نمو الدول النامية من 7% العام الماضي إلى 4, 6% عام 2007.

وبسبب تشديد الصين لإجراءات ضبط الاقتصاد الكلي يتوقع أيضا انخفاض نمو الاقتصاد الصيني في عام 2007. وحسب البنك الدولي سينخفض هذا المؤشر في الهند أيضا من 7 ,8 % عام 2006 إلى 7 ,7% عام 2007. وبالنسبة لبلدان الشرق الأوسط بين صندوق الدولي في تقريره (سبتمبر 2006) أن النمو الاقتصادي لعام 2006 سجل معدل 8, 5% أما في 2007 فسيكون عند مستوى 4 ,5%.

وبالنسبة لبلدان مجلس التعاون الخليجي فبينما تجمع مختلف الآراء على أن قطر ستحقق ارتفاعا في معدل النمو من 5,7% عام 2006 لتسجل6, 8% في عام 2007 كأعلى معدل في المنطقة (حسب مسح أجرته رويترز في ديسمبر 2006)، فإنها تجمع أيضا على أن كلا من الكويت والإمارات وعمان والبحرين ستسجل تباطؤا متفاوتا في معدلات النمو الاقتصادي. لكن الآراء اختلفت بشأن السعودية حيث رأى صندوق النقد الدولي أنها سترتفع من 8, 5% عام 2006 إلى 5 ,6% عام 2007.

بينما قال متوسط توقعات 11 محللا (في مسح رويترز) بتباطؤ معدل النمو في السعودية من 5 ,7% عام 2006 إلى 4, 6% عام 2007. لكنه رغم بعض التفاوت في التقديرات إلا أن ذلك لا يقلل من جوهر المتغيرات التي سيكشفها عام 2007 في الاقتصاد العالمي.

العوامل الأساسية التي ستبدي تأثيرها على آفاق الاقتصاد العالمي عام 2007 هي الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة الأميركية وأسعار النفط العالمية وما يرتبط به من عوامل غير قابلة للتنبؤ كتطور الأزمة النووية مع إيران والتغيرات المناخية المفاجئة والوضع في العراق.

استعرضنا كل تلك الأرقام لنعود بالذاكرة إلى الدراسة التي كان قد نشرها قبل خمس سنوات مصرف الاستثمار Goldman Sachs، حيث طرحت لأول مرة مختصر (BRIC)، ويرمز إلى الأحرف الأولى من أسماء أربعة بلدان: البرازيل، روسيا، الهند والصين. وقالت الدراسة إن هذه البلدان ستخطف حتى عام 2050 قصب السبق في تطور الاقتصاد العالمي من (السبعة الكبار) (الولايات المتحدة الأميركية، اليابان، كندا، ألمانيا، بريطانيا،إيطاليا وفرنسا).

الآن ها هي تنبؤات (Goldman Sachs) تتحقق أمام ناظرينا. ويبدو لغالبية الاقتصاديين أن اقتصاد الدول النامية سيستمر عام 2007 في التطور بمعدلات نمو أسرع من تطور الاقتصاد الأميركي أو الأوروبي أو الياباني.

وسيصبح الهم الأساسي لهذه الاقتصادات الثلاثة هو كيف يمكن كبح التطور الجامح في البلدان ذات الاقتصاد النامي، حيث إن هذا التطور حلق بأسعار المواد الخام إلى علو مرتفع جدا، ولم يعد يعني نمو أسواقها فقط، وإنما تأثيرها على الاقتصاد العالمي أيضا. ولا شك أن دوامة هذه العملية ستلف معها منطقة الخليج لكونها لاعبا في سوق النفط العالمية ومعنية بمصير الدولار الأميركي كون عملتها الوطنية ترتبط بأسعار صرفه.

لكن تطورات العام 2007 ستضع هذه البلدان على مفترق طرق يجب الاختيار بينها. ولقد بدأت الدول النامية في آسيا والتي تحقق نموا حقيقيا في قطاعات الاقتصاد الفعلية تتصدى لهذا التحدي. الانخفاض في الصادرات سيعوض عنه بالاستثمارات. بمعنى أن هذه الدول،الصين تحديدا، سوف تقلل من تعويلها على حالة الاقتصاد في الدول المتطورة وستحقق معدلات نمو اقتصادها بفضل توسع الاستهلاك الداخلي لمنتجاتها.

هنا فقط تصدق مقولة أن الاستهلاك يشكل حافزا للنمو، بينما لا تصدق في بلادنا رغم زعم بعض (اقتصاديينا)، حيث إننا في الحقيقة نستهلك ما لا ننتج، أي لا ندخر. شركة مكنزي McKinsey أصدرت تقريرا خاصا أسمته -من (صنع في الصين) إلى (أشتري في الصين).

وفيه تتنبأ بنمو الطبقة الوسطى وكذلك الاستهلاك في المستقبل القريب، عندما سيزيد عدد الصينيين الذين يعيشون في المدن عن 50% من سكان البلاد. وفي صندوق النقد الدولي يعتقدون بأن الاقتصاد الصيني وبغض النظر عن أي شيء سيحقق في العام 2007 نموا اقتصاديا يقدر بـ 10%.

وفي حالة لجوء السلطات الصينية إلى كبح جماح الاقتصاد فإنها ستستهدف قطاعات البنية التحتية المرتبطة بالصادرات كالموانئ والطرق وما إليها. وحتى في هذه الحالة فسيكون الخاسر الرئيسي ليس الصين، بل مصدري المواد الخام، وخصوصا المعادن ومواد البناء.

لكن ذلك لن ينعكس سلبا على سوق النفط العالمية، إذ إن حوالي 75% من نمو الطلب العالمي على النفط سيكون من جانب الصين والدول النامية الأخرى. ولذلك فلا يتوقع على الأرجح أن يحدث عام 2007 انهيار كبير في أسعار النفط حتى بالرغم من الشتاء (الدافئ) في أوروبا والولايات المتحدة. وبذلك لن تكون المشكلة في الطلب على النفط وأسعاره بقدر ما هي في تقويم سعره بالدولار.

الأزمة الشاملة للرأسمالية العالمية ستكمن في انهيار الدولار وتحلل الهيمنة العالمية للولايات المتحدة والذي يتوقعه الكثيرون خلال 3 -4 سنوات على أقل تقدير. ورغم أن معدلات نمو الاقتصاد الأميركي تزيد على 3% وهي الأعلى بين البلدان الصناعية المتقدمة، إلا أن المسلم به هو أن الاقتصاد الأميركي يختزن مشاكل بنيوية كبيرة يظهرها (العجز المزدوج) للميزانية والميزان التجاري.

ولعل إضعاف الدولار هو واحدة من أدوات العمل لتأجيل انفجار الأزمة. لكن المتضرر من هذا الوضع هي البلدان المصدرة التي راكمت لديها كميات كبيرة من الدولارات، وخصوصا البلدان الخليجية. وكذلك البلدان التي تحتفظ بقسم كبير من أموالها في شكل سندات الحكومة الأميركية.

إنه ما لم تختط بلداننا طريقها الصحيح عند هذا المفترق فستظل أسيرة السيناريو الأساسي الذي وضعه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لعام 2207 لمعالجة الأزمة هناك والقاضي بتخفيض غير ملحوظ لسعر صرف الدولار ورفع لأسعار الفائدة.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com