في مقال سابق والذي كان تحت عنوان الجدل العالمي حول الإسلام والديمقراطية والذي تناولنا فيه الأفكار الحرة لفرق مختلفة وموقفها من الديمقراطية الغربية وأثر تطبيقها على الواقع الإسلامي والذي نقصد به مدى ملاءمة تطبيق الديمقراطية الغربية على مجتمعات الدول العربية والإسلامية وأهمية هذا التطبيق،.
كما استعرضنا الفكر المضاد لتطبيق هذه الديمقراطية لتعارضها مع الأفكار الإسلامية والعادات والتقاليد العربية والإسلامية فلا يمكن أن يتواءم مذهبا الديمقراطية الغربية والفكر الإسلامي ومعه العادات والتقاليد العربية والإسلامية.
وقد شمل الاستعراض أراء وأفكار لمفكرين أرادوا التوفيق بين الفكر الإسلامي والديمقراطية الغربية من خلال حذف وتحوير بعض المبادئ الديمقراطية التي تتنافر مع الفكر الإسلامي والعادات والتقاليد العربية والإسلامية ويحاول أفراد هذا الفريق أو أنصاره أن يتصوروا رؤية خاصة بهم يحاولون من خلالها الوصول إلى مواءمة الديمقراطية والفكر الإسلامي ويربطون هذا الموضوع بأنه تواصل إنساني بين حضارتين مختلفتين وهي الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية ويهدفون إلى اتفاق عام هو قبول الآخر.
وفي المقابل هناك أفكار تقابل أصحاب هذا الرأي وهم من الجانب الغربي والذين يقولون بأن الديمقراطية (المقصود هنا الديمقراطية الغربية) يمكن لها أن تستوعب المسلمين!. وبكل الأحوال فإن هذه الفرق المتنوعة من المفكرين والكتاب جميعهم لا يعتقدون أن للإسلام ديمقراطية، بمعنى أن الفكر الإسلامي جاء خالياً من الديمقراطية.
وهنا ينهض أصحاب الرأي الرابع كما أطلقتا عليهم في المقالة السابقة وهؤلاء هم أصحاب الرأي القائل أن الفكر الإسلامي هو أساس الديمقراطية بل أن الإسلام كان الباب الأول التي دخلت الديمقراطية من خلاله إلى الناس وأن ما احتواه هذا الفكر من مبادئ وقواعد لها أبعاد عميقة تمس الإنسانية .
ومن خلالها تطور النظام الاجتماعي وكان لها الأثر الفعال في تطور الدولة واقتصادها وعلاقاتها الإنسانية مع الآخرين وجميع هذه الأسس مطبقه تطبيقاً صحيحاً وفق معالم الديمقراطية الإسلامية ووفق ما ورد من قواعد في القرآن الكريم تحتم على المسلمين حماية واحترام الأقليات من الديانات الأخرى - غير الإسلامية - داخل الدولة المسلمة بالإضافة إلى قواعد العدالة الاجتماعية والحريات وحقوق المرأة. إذن هنا صياغة للنظرية الديمقراطية جاءت ضمن الفكر الإسلامي وقد يكون أكثر المسلمين يمارسون هذه الديمقراطية تحت مسميات الأوامر الإلهية والسنة النبوية فهم ليس بالضرورة مضطرين أن يسموها ديمقراطية.
وهنا تتداخل الأفكار وهي إذا كان الفكر الإسلامي يتضمن نظرية للديمقراطية إذن لماذا لم يطبق الديمقراطية الغربية؟ ويرد أصحاب الرأي الرابع كما قلنا على هذا التساؤل أن الديمقراطية الإسلامية أن جاز التعبير هي مختلفة في كثير من المواضع عن الديمقراطية الغربية وهذا الاختلاف هو اختلاف جذري وعميق لا يمكن أن يتلاقيا للتضاد بينهما - ومعنى ذلك أن هناك صراعا بين الفكرين.
وقد نأخذ مثالا واحد على هذا التضاد في الفكر الجوهري للفكر الإسلامي مع الديمقراطية الغربية. ومن أعمق الخلاف بين الفكر الإسلامي والديمقراطية هو طلب الولاية وسنلاحظ الخلاف الجوهري بين الترشيح إلى منصب معين ذي ولاية وفق مفهوم الديمقراطية، وبين المبايعة لمنصب معين ذي ولاية وفقاً للفكر الإسلامي.
إذن البداية كانت منذ ظهور الفكر الإسلامي على الساحة الذي وضع اللبنة الأولى والأساس في الديمقراطية من خلال تثبيت مبدأ حرية الرأي والاختيار، فكانت مبايعة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وبموجب هذه المبايعة خول الناس قائدهم كافة الصلاحيات لقيادتهم ودولتهم ثم توالت من بعدها التجارب وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مارس المسلمون ديمقراطيتهم الخاصة عندما بايعوا أبوبكر الصديق - أول الخلفاء الراشدين - رضي الله عنه لخلافة النبي صلى الله عليه وسلم في قيادة الدولة والمسلمين.
وهذا إثبات ورد على من يتقول أن الإسلام دعوة ورسالة روحيه في حين أن هذه الممارسة الكبيرة للمسلمين في الديمقراطية المتمثلة بحرية الرأي والفكر باختيار من يقودهم تؤكد أن الإسلام ليس دعوة ورسالة روحيه فقط وإنما هو نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي متكامل ينظم العلاقة بين العبد وربه وينظم العلاقة بين العبد وأخيه العبد كما نظم العلاقة بين الشعوب.
وهذه لها معان ومقاصد كبيرة يجهلها المثقفون المتشدقون بالديمقراطية الغربية دون أن يتفقهوا بالفكر الإسلامي النبيل. وقد أنطلق المسلمون الأوائل لفكرة الديمقراطية الإسلامية عندما اختاروا قائدهم.
كما قلنا وهذا الاختيار لم يكن اختيار مبنى على جهالة بل كانت هناك مقاييس ومعايير معينه تحسستها العقول الإسلامية على فطرتها مما يؤكد نورانية الإسلام في عقول المسلمين، فهم على بساطتهم كانوا يتحسسون الصفات الحميدة والجيدة في قائدهم، وقد جسدوا هذا الإجراء الديمقراطي من خلال مجلس الشورى - أي مجلس الديمقراطية إذا أردنا أن نقرب المعنى إلى المثقفين الغربيين سواء كانوا من العرب أو الأجانب وهذا ثابت بنص قرآني.
كما أن القرآن الكريم جاء بنصوص تثبت الديمقراطية بل ان الشريعة الإسلامية تأمرنا التمسك والعمل بها مثل حرية الأديان وحرية المعتقد، وحوار الإنسان مع الآخرين والعلاقة الشفافة بين الحاكم والمحكوم والعدالة وعدم التمييز العرقي أو الديني أو الطائفي.
وعودة إلى موضوع المبايعة عن طريق الشورى باعتباره أساس الديمقراطية ومنطلقها في الفكر الإسلامي واختلافها عن الديمقراطية الغربية منها أن ولي الأمر لا يتم مبايعته وإنما انتخابه ولكن ينتخب من بين من. فهو أساساً يرشح نفسه لمنصب الولاية مع مجموعة آخرين ومن ثم ينتخب ولكن من أين جاء هذا الترشيح ومن أين جاء هذا النظام الانتخابي.
وللإجابة على هذه التساؤلات يجب أن نعرف أن الإسلام سن الديمقراطية وعمل بها قبل أن يكون الغرب متحضرا، وأن الغرب أخذ تجارب المسلمين في مقاليد الحكم والتطبيق ونقلها إليه وطور نفسه مستفيداً من العلوم الإسلامية والحضارة المزدهرة للإسلام وهذا ما يشهد به التاريخ غير أنهم حوروا هذه الديمقراطية بما يناسبهم وطبيعتهم ودينهم وتقاليدهم وانحرفوا بها إلى أنظمة يطلقون عليها حديثة.
ولكن لماذا نعترض على الديمقراطية الغربية في شقها الانتخابي والترشيح والانتخاب؟، ذلك أن المسلمين ووفق فكرهم الإسلامي العميق المستنير وما أسس عليه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من قاعدة عميقة المعاني والمقاصد وهي أن «طالب الولاية لا يولى».
واعتبرت هذه القاعدة من بين الضوابط الشرعية ذلك أن طالب الولاية سيكون حريص عليها لتحقيق مكاسب شخصية لنفسه ولمجموعته على حساب الآخرين فهو يستعمل ما أؤتمن عليه للوصول إلى غرضه الشخصي تحت شعارات تقول بأنه سيحقق الأماني لشعبه والنتيجة لا تكون دائماً كذلك. ولكن لنا عودة لاحقاً مع القاعدة الشرعية «طالب الولاية لا يولى» وكيف أن الفكر الغربي استبدل هذه القاعدة بأخرى.
كاتب إماراتي
rashid.shabib@bsa.ae