لم أتمكن في الأسبوع الماضي من إكمال الحديث عن آليات التحكم في العنف عند فئة الشباب. ورضوخا لطلبات القراء لإكمال ما بدأته في الأسبوع السابق، وإيفاء بوعد قطعته، سنتابع اليوم الحديث عن آليات التعامل مع العنف، وسوف أركز على النقاط التي لم يسعفني الوقت في المرة السابقة من إلقاء الضوء عليها.
تحدثنا في الأسبوع الماضي عن إدارة الغضب وبرامج الوقاية ضد التحيز، وسأتابع معكم اليوم استعراض آليات برامج حل الصراع وتكوين المهارات الاجتماعية.
أينما تشكلت جماعة فهناك دوما صراع، فالصراع بين الأفراد المنتمين لجماعة ما مسألة طبيعية، وذلك ليس فقط بين جماعات الأطفال ولكن أيضا بين الجماعات التي يتشكل أفرادها من البالغين أيضا؛ وهناك عناصر أساسية تعمل على تغذية الصراع وإذكائه بين أفراد الجماعات المختلفة، مثل وجود مشاعر التمييز ضد الآخر أو سوء الاتصال أو التواصل.
أو أحيانا العجز عن التعبير عن المشاعر بالشكل الإيجابي الذي يساعد على التعبير عن الحاجات الحقيقية للفرد أو الأفراد المنتمين للجماعة. وأحيانا يكون الصراع بسبب المنافسة بين أفراد الجماعة الواحدة أو لوجود قلة اكتراث أو عدم احترام بعض أفراد الجماعة لمشاعر الأفراد الآخرين.
بشكل أو بآخر يعتبر الصراع مكونا أساسيا من مكونات أغلب الجماعات البشرية وهو لا يشكل بالضرورة مشكلة سلبية بين الجماعات ولكن له جوانبه الإيجابية أيضا حيث أنه يساعد على اكتشاف الفرد لنفسه ولقدراته، والسؤال المهم هنا هو كيف للشباب التعامل مع حالات الصراع في جانبها السلبي والتي تتشكل منها حالات الإحباطات الشخصية والصراعات التي قد تنتج عنها؟
غالبية الشباب، ان لم يكونوا جميعهم، وذلك نظرا لقلة تدريبهم وتجاربهم المحدودة في الحياة، يستجيبون للصراعات التي يعانون منها على المستوى الشخصي والمجتمعي في بعض الأوقات بسلوكيات متهورة وغير ناضجة وعن طريق استخدام العنف، ويعود السبب في ذلك لعجز هؤلاء الشباب عن التفكير في حلول بديلة وأكثر ايجابية.
فضلا عن أنه في كثير من الحالات لم تتوفر لهؤلاء الشباب فرصة دخول تجربة الصراع بشكل مكتمل وتعلم كيفية إيجاد الحلول البديلة الإيجابية أو تطوير طرق متكاملة للتعامل مع الصراعات التي يختبرونها في حياتهم؛ فعادة ما يتدخل الأبوان أو المدرسون أو من هم أكبر سنا لإرجاع الأمور إلى نصابها وحل الصراعات المختلفة، ومثل هذه التدخلات لا شك توفر الحلول المناسبة، ولكنها في الواقع ما هي إلا حلولا قصيرة المدى.
وعادة ما تكون محملة بإمكانية تكرار الصراع مرات أخرى؛ حيث ان فرض أفكار الكبار وتجربتهم في كيفية حل الصراع تسلب الشباب فرصة خوض مرحلة البحث عن حلول وتعلم الطرق الأفضل لحل الصراعات، مما يحرمهم من فرصة التعلم والنضوج. وهنا تبقى تجربتهم في التعامل مع الصراعات محدودة ويستمر استخدام العنف باعتباره الوسيلة الأكثر حضورا بالنسبة لهم.
إن تعلم طرق التعامل مع الصراعات المختلفة دون اللجوء لاستخدام العنف تمد الشباب بمهارات اجتماعية أساسية تعينهم لاحقا كبالغين في تعاملهم مع الآخر، فهي تساعدهم على فهم تنظيم الجماعة وتنظيم العلاقات السائدة فيها. كما تساعدهم على فهم البناء الاجتماعي الذي يعيشون فيه والسلطة وتراتبيتها، وفهم معنى الصداقة والتزاماتها بالشكل الصحي.
وكما ذكرت سابقا، إن دخول الشباب في الصراعات مسألة حتمية وضرورية لخلق شخصية ليس بالضرورة صدامية أو عنيفة، ولكن شخصية قادرة على المواجهة والتحدي والتواصل الإيجابي الذي دائما ما يقود إلى الحلول التي قد ترضي طرفي الصراع. وهذا بدوره لا يتحقق إلا بتوفر عناصر حل الصراع التي يجب أن يدرب عليها الشاب، والمتمثلة في التعاون بين الطرفين والتواصل والاتصال الايجابي، والالتزام بالشروط التي توفر نوعا من الانسجام بين أفراد الجماعات والذي يؤدي في النهاية إلى الوصول لحل الصراعات.
إن الاتصال الفعال والتواصل الإيجابي والمهارات الاجتماعية الجيدة يعتبران من العناصر الأساسية التي تقوم عليهما آليات حل الصراع، بالإضافة للعناصر الأخرى، كتوفر القدرة على التعبير عن المشاعر بالنسبة لصغار السن بشكل خاص، لأنهم لا يمتلكون قاعدة المفردات الواسعة التي قد تسعفهم في التعبير عن مشاعرهم، والذين يكونون في حاجة أساسية لتوسيع قاعدة المفردات لديهم عن طريق التدريب.
بشكل عام نستطيع ان نقول ان مهارات حل الصراع لها خطوات ثابتة تبدأ بتحديد المشكلة، ثم ننتقل الي إيجاد الحلول المناسبة التي ترضي الطرفين، ثم يأتي تطبيق الحل على أرض الواقع ومناقشة النتائج لمعرفة مدى نجاح وفاعلية الحلول المطبقة.
وجدير بالذكر هنا أن برنامج حل الصراع يستند بالدرجة الأولى على تعليم الفرد أسباب ونتائج السلوكيات التي يقوم بها بالإضافة إلى تعريفه بمشاعر الطرف الآخر التي قد تتكون كردة فعل على هذا السلوك. البرنامج الآخر للحد من السلوكيات العنيفة عند الشباب هو برنامج المهارات الاجتماعية والذي يتمثل في معرفة الإنسان كيفية التعامل اليومي مع الجماعة.
ويقوم هذا البرنامج على فكرة أن الأطفال يعتمدون على المهارات الاجتماعية من أجل تكوين استجابات ايجابية وتطوير علاقات الصداقة، وعلى أن الأطفال الذين لا يملكون هذه المهارات يكونون عرضة للعزلة وضعف العلاقات الاجتماعية، مما يؤدي بهم إلى استخدام السلوكيات العنيفة للوصول إلى أهدافهم الاجتماعية وللتعبير عن أنفسهم. بناء عليه، يرى هذا البرنامج ان توفير المهارات الاجتماعية الأساسية للمراهقين والشباب الذين يفتقدون مثل هذه المهارات مسألة ضرورية وحيوية.
حيث أثبتت نتائج البحوث التي تمت في هذا المجال ان المراهقين الذين يتوفر لهم التدريب المناسب على المهارات الاجتماعية يتميزون بثقة عالية في النفس ويمتلكون مهارات حل المشكلات ذات المستوى العالي، كما يكونون أكثر قدرة على إدارة أمور حياتهم وأكثر إيجابية في التعامل مع الضغوط الحياتية.
وجدير بالذكر هنا، ان الشباب يفتقدون المهارات الاجتماعية اللازمة إذا ما تربوا في بيئة ثقافية تفتقر الى فرص التعلم والنمو والتعزيز والتوجيه السليم لسلوكيات الطفل اليومية، أو إذا ما كان الطفل يعاني من بعض المشاكل السلوكية التي تحول دون تعلمه للمهارات الاجتماعية اللازمة.
وهناك اتجاهات نظرية مختلفة للتدريب على المهارات الاجتماعية منها اتجاه التعلم الاجتماعي الذي يركز على ملاحظة السلوك ونتائجه، واتجاه التعلم السلوكي المعرفي الذي يعتمد على قدرة الطفل على حل المشكلات والتفكير في نتائج سلوكياته، وكلها برامج ضرورية ومن المهم أن نسعى في تبنيها إن كنا نريد بيئة لا يدمغها العنف ولكن الانسجام والاحترام بين جميع أفرادها.
جامعة الامارات
albaharm@yahoo.com