شكلت الأزمة الصومالية ومازالت جزءاً من الأزمات العربية المستمرة والتي عجز العرب بجامعتهم العتيدة عن إيجاد حل سياسي لها وذلك على امتداد 15 عاماً ، منذ سقوط نظام سياد بري الديكتاتوري (يناير 1991).
لقد كان المتوقع أو المفترض ـ بعد سقوط النظام الاستبدادي وبخاصة عبر تمرد شعبي داخلي وليس (قوة خارجية) أن يكون هناك حكم ديمقراطي مدني ـ هكذا يحصل عند جميع شعوب الأرض ولكن الحالة العربية استثناء من القاعدة. إذ سرعان ما انقسمت المعارضة المسلحة التي أسقطت الحكومة الاستبدادية إلى ميليشيات قبلية متناحرة.
وفي غيبة (الدولة) الممثلة للهوية الوطنية الجامعة والقادرة على فرض الأمن والاستقرار فإن الناس يلوذون بانتماءاتهم القبلية الضيقة ويحتمون بجماعاتهم وقبائلهم وميلشياتهم بديلاً عن السلطة الغائبة، ومن الطبيعي ـ حينئذ ـ أن تتصارع تلك المليشيات وتقاتل بعضها وتسرق وتنهب ولا تقيم وزناً لحياة وبخاصة مع اتنتشار السلاح ورخصة، ومن ثم يتخذ كل فصيل (زعيماً) يقود ويقاتل ويستأثر بحكم منطقة.
ومن هنا انقسم الصومال إلى عدة مناطق وكل ذلك انتج ما يسمى بأمراء الحرب، وأدى إلى وقوع الصومال تحت حكم (لوردات الحرب) والميليشيات المسلحة التابعة لهم لتزداد الأوضاع سوءاً وتسود الفوضى والاعتداءات وتنشط الصراعات الأهلية المسلحة وينعدم الأمن ويضطر الكثيرون إلى الهجرة للخارج مشكلي أكبر مصادر الهجرة إلى أوروبا وأميركا وشرق آسيا.
ومع اشتداد الأوضاع سوءاً بدأت أولى محاولات الاهتمام الدولي لمساعدة الصوماليين بمد إرسال قوة دولية عام (1993) بقيادة الولايات المتحدة ولكن كانت نهايتها مأساوية بشعة إذ قتل (18) جندياً أميركياً وسُحل بعضهم في شوارع (مقديشو) وافتخر (بن لادن) بأنه كان وراءها، مما جعل الأمم المتحدة تصدر قراراً عام 1994) بأن تحقيق السلام لا يكون إلا عن طريق الصوماليين أنفسهم وبذلك نفض المجتمع الدولي يده من القضية لتصبح في طي النسيان وليستفرد أباطرة الحرب بالحكم وليدخل الصومال في نفق مظلم من عهد (اللادولة).
في تلك الأجواء المضطربة توّلدت (المحاكم الإسلامية) والتي بدأت مسيرتها عام (1993) من خلال فكرة تقدم بها رجل دين صومالي تلقى تعليمه الشرعي بالأزهر الشريف ـ نبيل صدقي، الحياة 11/7/2006 ـ ولكن أول محكمة بدأت أحكام القضاء الشرعي تأسست عام (1994) في مقديشو، وبدأت تبسط نفوذها على أجزاء واسعة من العاصمة مستعينة بالميليشيات، وشيئاً فشيئاً انتشرت المحاكم الشرعية وأصبح التجار من داعميها.
وهكذا نجحت المحاكم التي تولت القضاء في حلّ النزاعات الأمنية واكتسبت الثقة الشعبية نظراً لنجاحها في سد الفراغ الأمني والقانوني والحد من السرقات وحماية الضعفاء والعدالة في توزيع المساعدات والإغاثة الخارجية إلى أن تمّ اندماج المحاكم في اتحاد واحد عام (2004) لتشكل قوة دينية وعسكرية كبيرة، ولكن هذه النجاحات السريعة غير المتوقعة والتي فاقت قدراتها الخاصة ـ كما يقول (عبدالعزيز الخضر) ـ أغراها بالتوسع السريع وبخاصة مع ضعف الحكومة الانتقالية.
اكتسحت ميليشيات المحاكم المدن الصومالية بسهولة وأصبحت على مسافة (50) كم من (بيداواة) مهددة السلطة الشرعية والتي استنجدت بالجامعة العربية ولكن دون جدوى، ووجدت الدعم من (اثيوبيا) والتي كانت من مصلحتها هزيمة المحاكم.
وبفضل الدعم العسكري الإثيوبي المسنود (أميركيا) استطاعت القوات الحكومية والإثيوبية دك معاقل المحاكم، فرأينا الانهيار السريع والفرار الأسرع في التاريخ، لقد فرّت ميليشيات المحاكم فرار الأرانب المذعورة ـ وكانوا قبل أيام يهددون ويتوعدون ويعلنون الجهاد، رافضين جميع المساعي وبخاصة (المصرية) لإقناعهم بالتفاوض مع السلطة الشرعية ـ وفي خلال أسبوع تم طرد المحاكم من آخر المعاقل لينتهي عهد (المحاكم) ولتبسط الحكومة سيطرتها الكاملة.
السؤال الآن: ما سر هذا السقوط السريع للمحاكم؟ يقول (عبدالعزيز الخضر): إن ذلك بسبب جناية (التطرف) في المراحل الحاسمة، وأتصور ان ذلك صحيح، وهو يصدق على معظم الحركات الدينية السياسية، والتي تبدأ معتدلة وتحقق بعض الانجازات وتكتسب ثقة الجماهير، ثم يتغلب عليها الجناح (المتشدد) فيقودها للهاوية، لأن المتشددين (عادة) يفتقدون المرونة السياسية وتنقصهم الخبرة في مجال العلاقات الدولية وتغلب عليهم الحماسة التي تصل للتهور، والمثاليات التي تبعدهم عن الواقع والممكن. وهي نفس نهاية حكم (طالبان).
لم تكن المحاكم متشددة في بداياتها فغالية قيادتها من المعتدلين لكن المتطرفين تغلبوا في النهاية وأرادوا تحويل الصومال إلى معقل (للقاعدة) وقد كان أخطر المطلوبين على القائمة الأميركية (عبدالله فضل) والذي يصنف بأنه قائد القاعدة في شرق إفريقيا والذي كان وراء تفجير سفارتي أميركا في (نيروبي) و(دار السلام) ـ 1998 ـ وراح ضحيتهما (224) قتيلاً يحتمي بهم.
وفضلاً عن ذلك فإن المحاكم تبنت برنامجاً داخلياً متشدداً يقوم على مرسوم المحرمات الذي يذكرنا بمرسوم طالبان: منع الأغاني والموسيقى وإغلاق دور السينما والتهديد بقتل تاركي الصلاة وتعطيل النشاط التجاري أوقات الصلاة وملاحقة الأفراح، الأمر الذي افقدهم ثقة الشعب فتخلى عنهم لينهاروا سريعاً.. ما جدوى حماية الناس من السلب بينما المحاكم تسلب حرياتهم؟، (الحريات) عزيزة على الإنسان، لا يقبل معارضة عنها، هذا هو الدرس الأعظم الذي لا تريد الأحزاب العقائدية (دينية أو شيوعية) ان تفهمه.
الآن: لماذا ـ دائما ـ يدافع بعض خطباء المساجد في منطقة الخليج عن الجواد الخاسر؟ بالأمس دافعوا عن (طالبان) واتهموا الغرب بالأكاذيب وهم اليوم يكررون نفس سلوكهم مع (المحاكم) فيسخرون منابر بيوت الله دفاعاً عنهم. ترى هل تمثل (المحاكم) أو (طالبان) صورة ايجابية للإسلام لتستحق الدفاع؟!
ما هذه السذاجة التي تدفع بعض المشايخ للدفاع عن أحزاب متطرفة لمجرد أنها تحمل اسم الإسلام؟ في تصوري أن هذا النهج في الخطاب الديني يقع في أخطاء عديدة، منها: أنه يشجع جماعات مناوئة للسلطة الشرعية للانقلاب عليها وذلك ضد منهج الإسلام في دعم السلطة الشرعية حتى لا تنهار الدولة.
ومنها أنه يتجاهل ان تلك الجماعات الدينية لا تمتلك الحد الأدنى لبرنامج تنموي سليم يحمي الشعب من البطالة والجوع والتشرّد، فهي لا تجيد الا لغة السلاح وثقافة الموت والتفجير، ومنها أن تلك الجماعات لو وصلت السلطة فإنها تشكل كابوساً أسود على الثقافة والفنون والآداب.
ومنها كما قال الرئيس مبارك إن كثيرين سيأخذون أموالهم ويهربون من البلاد كما أن الاستثمارات ستتوقف والبطالة تنتشر وستتزايد عزلة الدولة عن العالم بسبب أن هذه الأحزاب الدينية السياسية ـ جميعاً ـ تتبنى خطاباً معادياً للعالم وتصطنع عدواً خارجياً (دائما) لتبرير فشلها الدائم في الداخل وأخيراً ينتهي بها الأمر عبر التدخل الخارجي.
كاتب قطري