الذي يجري في العراق هو بالفعل حرب طائفية أهلية وليس هناك وصف مخفف لظاهرة القتل اليومية التي يروح ضحيتها العشرات كل يوم دون ظهور بارقة أمل لإيجاد مصالحة بين الفرقاء في العراق ومن هنا فإن الخطط الاميركية الواحدة تلو الاخرى هي في نهاية المطاف خطط غير قابلة للنجاح بسبب الظروف الراهنة في هذا البلد العربي الذي يرزح تحت الاحتلال الأجنبي منذ ابريل 2003 .
خطة الرئيس الاميركي بوش لزيادة القوات الاميركية وان كانت تهدف لضبط الأمن في العاصمة بغداد الا انها قد لا تساعد في هذا الاتجاه في ظل الانفلات الأمني وانتقال الأمور الى مسألة الانتقام بين الطوائف في العراق كما ان موضوع العراق له أبعاد اقليمية ودولية معقدة مما يجعله يتسم بالصعوبة والتشابك ويحتاج الى المصالحة بين العراقيين أكثر منه الى الخطط وزيادة القوات الاجنبية.
تزايد أعداد القتلى والجرحى بين العراقيين آثار منظمات دولية حقوقية وإنسانية في ظل العجز التام عن وقف نزيف الدم الذي أصبح كارثة كبيرة لا بد من وقفها والوصول الى قناعات جديدة تنهي شلال الدم اليومي الذي في حال استمراره سوف يعمّق من الشعور من الانتقام بين أبناء البلد الواحد وهذا يشكل مأزقا حقيقيا للوضع في العراق.
الخطط الاميركية قد لا تكون كافية لوحدها في ظل غياب أي خطة للمصالحة الوطنية في العراق حيث ان اقرار السلام والأمن لن يتحقق إلا من خلال ارادة العراقيين واحساسهم بأن بلدهم في خطر وقد يكون مصيره التقسيم والتشرذم وهذا الأمر لا يتمناه أي عراقي بصرف النظر عن انتمائه الطائفي او موقفه السياسي وعلى ضوء ذلك فإن الجهد السياسي لا بد أن ينصب على الحوار بدلا من القوة العسكرية التي اثبتت فشلها الذريع خلال السنوات الثلاث الماضية وهذا ما يجعل من التركيز على الخيار السلمي هو الخيار الأسلم والذي قد يؤدي الى نتائج ايجابية تمهد الى انهاء العنف والاقتتال في العراق.
ان الجهد العربي مهم ومطلوب في هذه المرحلة سواء من خلال جامعة الدول العربية او من خلال الدول نفسها حيث ان استقرار العراق وعدم انزلاقه الى مرحلة اكثر خطورة قد تؤثر على الامن الاقليمي والدولي على حد سواء وهذا لا يخدم الاستقرار والامن في كل المنطقة. وانتشال العراق من مأزق الاقتتال اليومي يعد ضرورة مهمة في هذة المرحلة حتى لا تتفاقم الامور الى اكثر من ذلك ويتحول العراق الى ارض يتقاتل فيها الجميع لتصفية الحسابات ومن هنا فإن أمام المجتمع الدولي مسؤولية كبيرة لوضع حد لما يجري في العراق وتشجيع العراقيين على الحوار وتغليب مصلحة العراق على كل مصلحة ذاتية او وقتية.
ان الخطة الاميركية الجديدة في العراق تحتاج الى مزيد من الوقت للحكم على مدى فعاليتها ونجاحها كما ان أمام الولايات المتحدة فرصة لاطلاق الحوار بين كل القوى السياسية في العراق وان يكون للجميع دور في بناء العراق لأن الجميع في الصراع الدامي الحالي خاسر والشعب العراقي هو الخاسر الأكبر ومن هنا فإن الحكمة تقتضي ان يكون هناك وقفة وحس وطني من كل القوى والاحزاب والعشائر في بلاد الرافدين والتفكير مليا بمصير هذا البلد الذي يحوي ثروات بشرية وطبيعية ومياها قادرة ان تبني العراق من خلال ثقافة التسامح ونسيان آلام الماضي البعيد والقريب هذا هو المنهج الصحيح لأن استمرار الواقع الحالي المرير لن يحل مشاكل العراق وسوف يدفع الجميع الثمن وهذا مالا يريده أي عراقي.
الوقت يمر سريعا ولا بد من وقف نزيف الدم والاحتكام الى المصالحة التي هي المخرج الوحيد لانهاء آلام هذا البلد العربي وانتقاله الى مرحلة السلام والبناء في ظل القانون الذي يحكم الجميع وحتى لا ينزلق العراق الى مرحلة أكثر خطورة ويصبح الوضع أكثر تعقيدا ويسير البلد الى طريق مجهول.