الوطن العربي أسهل رقعة في العالم قابلة للتقسيم، ومنذ التاريخ الأزلي تتحالف القبائل ضد قبيلة فتسقط حقوقها وتشردها، وتستولي على مواردها بدواعي العصبية، وبتشكيل الدولة الحديثة، تقاسمتهم الدول الامبراطورية الاغريقية، والرومان والفرس، وفي الإسلامي بدأ الخلاف على أسس الدولة الكبرى بالأمويين، فالعباسيين، ثم الدولة الأموية في الأندلس، لكنها ظلت دولاً تعصف بها الرياح لمجرد زوال القادة التاريخيين، وهذا يضعنا أمام معضلة أن الدولة التي ارتبطت بشخص القائد، لم تنتقل إلى دولة الشورى والنظم الدستورية التي تحميها القوانين.

التاريخ يعيدنا إلى منطقة العتمة، أي أن التجزئة بدأت تواكبنا في عصرنا الحديث، فالسودان مقرر أن يكون ثلاث دول أو أكثر، والصومال مجهول المستقبل أمام واقعه الراهن، وفلسطين لا تحتاج إلى تقسيم جغرافي، لكنها انفصلت عن بعضها بسبب القيادات والمنظمات الحزبية، والعراق بانت ملامح الدول الثلاث في الجنوب والوسط والشمال، ولبنان خصومات واعتصامات بين جبهتين قابلة للانفصال والتحالف، لأن ما يجمع الأضداد مواويل طائفية يلحنها مغنون لكل حفلة زار ترقص عليها فرقة الفرقاء.

التقسيمات قد تنال دولاً أخرى، لأن أميركا رسمت خرائط المنطقة مع إسرائيل منذ السبعينات وقد تحققت بعض النبوءات مع الحرب الأهلية اللبنانية، وقد لا تقف على الحرب العراقية الراهنة، لكن القيادة الأميركية برئاسة السيد بوش، أضاعت البوصلة من خلال تخبط القيادة التي رسمت في أهم مخططاتها الجانب الكنسي، مقابل المسجد الإسلامي، والعرقية اليهودية، أمام القومية العربية، وتلعب الآن على وتر الصراع القادم بين الفرس والعرب، والسنة والشيعة، وقد تصل عوامل التفتيت إلى الشمال الأفريقي العربي، الذي يضم فسيفساء من أمازيغ وعرب وأفارقة، بمعنى أن قابليات التقسيم لا تحتاج إلا تحريك الغرائز ليقود طليعة المجتمع الذي ينزعون للتفوق القبلي وحقه المطلق بسيادة مذهب على آخر، أن تقوم الحروب بوسائل داخلية ودعم خارجي.

لماذا هشاشة الجغرافيا العربية والإسلامية بهذه السهولة حين تخرج من استعمار إلى حكم عسكري يعتمد الطائفة أو الحزب، ومن ثم تنقاد الجموع إلى حروب بعوامل غير موضوعية؟.

السبب أن تأسيس الشخصية العربية باستثناء مصر قامت على أولويات العرق والأصل ثم ألحقته بالمذهب لأن النشأة الأولى لم تتغير بعوامل حضارية وتقدم تقني يسود العالم بأسره، ليصبح المواطن عضواً في شركة كبرى هي الوطن، والذي من خلاله تجانست الأعراق وفضلت أن يكون البناء قائماً على قاعدة الكفاءة البشرية التي تحصد الإنجازات وتلغي الفوارق بين الناس والأقاليم والمدن، عدا العرب الذين كلما زادت أرصدة المتعلمين والمثقفين كبرت معهم شجرة العائلة على حساب غابة الوطن.