ما هو بالضبط «الدور» الذي يتوقع جورج بوش من الدول العربية أن تضطلع به في العراق من أجل تحييد الدور الإيراني هناك؟الرئيس الأميركي يحرص على تفادي هذا السؤال مكتفياً بتحذير القادة العرب من مغبة سقوط العراق في دائرة النفوذ الإيراني نهائياً، وفي حقيقة الأمر فإن هذا السؤال غير قابل لإجابة منطقية عملية.
في الأراضي العراقية تدور رحى حربين على خطين متوازيين: حرب تشنها القوات الاحتلالية الأميركية ضد جماعات المقاومة المسلحة بدعم من قوات جيش وشرطة عراقية، والثانية هي حرب تطهير طائفي وتهجير جماعي قسري، وفي كلا الحربين يرى العالم تحالفاً على المستوى السياسي بين الولايات المتحدة و«المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق» و«حزب الدعوة» وتحالفا على المستوى الميداني العسكري يجمع بين القوات الأميركية والميلشيات وقوات الجيش والشرطة التابعة للحكومة العراقية.
وبطبيعة الحال فإن التحالفين موجهان بصورة محددة ضد شعب العراق بما في ذلك منظمات المقاومة المسلحة.
هذا يعود بنا إلى السؤال الأصلي: ما هو تصور بوش لدور عربي في هذه الدراما المعقدة؟
هل يريد الرئيس الأميركي للدول العربية أن تبعث بقوات إلى المسرح القتالي العراقي لتنضم إلى التحالف الأميركي ضد الشعب العراقي.إذن ما معنى دعوته إلى القيادات العربية لتساهم في تحجيم النفوذ الأجنبي في العراق، إذا كانت الولايات المتحدة تدعم بصورة غير مباشرة هذا النفوذ؟
ليس من المعقول إطلاقاً أن رئيس الدولة العظمى الأولى في العالم أن يفكر على النحو المتناقض.التفسير الأوحد لهذا التناقض الظاهري هو أن الولايات المتحدة تريد أن تخرج من تورطها مع شيعة العراق بأي ثمن.
لقد بدأت قصة التفاهم الأميركي مع بعض الجماعات والطوائف منذ الوهلة الأولى لدخول القوات الأميركية في عام 2003، حين أصدر أحد قادة الجماعات والطوائف لجماعته ما يشبه فتوى بألا تتعرض للقوات الغازية.
وربما رأى فريق «المحافظين الجدد» في إدارة بوش آنذاك أن تحالفاً أميركياً مع إحدى الطوائف العراقية يمثل وسيلة «تكتيكية» ذكية على النحو الميكيافيلي حتى إذا ما تمكنت القوات الاحتلالية الأميركية من القضاء نهائياً على المقاومة الشعبية، بما في ذلك فلول نظام صدام، فإنها سوف تنقلب على حلفائها من الطوائف الأخرى للقضاء عليها أيضاً.
لكن الأمور كما نعلم لم تجر على أساس التخطيط النظري المرسوم سلفاً. فخطة الغزو والاحتلال برمتها صارت تنتقل من فشل إلى فشل.
الآن يريد جورج بوش أن ينقل الفشل إلى الدول العربية بتوريطها في الدراما الميدانية القتالية، حتى يقول للرأي العام الأميركي إن ملحمة العراق في فصلها الختامي هي قصة فشل عربي وليس فشلاً أميركياً.