فتح مرور 30 عاماً على أحداث 18 و19 يناير 1977، النقاش واسعاً في مصر، وراح كثيرون يتذكرون ما وصفه الرئيس الراحل أنور السادات «بانتفاضة الحرامية» رغم تأكيد كل من عاصر وشارك في تلك الأحداث على عفويتها، باعتبارها هبة شعبية احتجاجاً على قرارات رفع أسعار نحو 15 سلعة ضرورية لملايين الناس.
باب الحوار انطلق من سؤال مفاده، هل ما جرى عشية وصبيحة 18 يناير من تظاهرات سلمية، سرعان ما تحولت في جانب منها خاصة يوم 19 إلى عمليات سلب ونهب وشغب وحرق لوسائل المواصلات العامة، كان عفوياً حقاً، أم من تدبير حزب سياسي أو قوى سياسية بعينها؟
لم ينكر أحد ان اليسار المصري بكل فصائله، كان منغمساً في تلك الأحداث، لكن الجميع أكد بمن فيهم قيادات أجهزة الأمن التي تابعت ما جرى، على ان الانتفاضة الجماهيرية التي شارك فيها العمال والطلاب والمثقفون بكثافة كانت عفوية تماماً، ولا يمكن إلصاقها بهذا الطرف أو ذاك، وان الأحداث كانت تعبيراً صادقاً من أولئك الذين أخذتهم صدمة رفع الأسعار من دون أي تحريك في الدخول، خاصة وان النظام السياسي في ذلك الوقت كان يبشر ليل نهار عن عصر الرخاء الذي ينتظر المصريين، والنفي القاطع من الحكومة وأجهزة إعلامها الرسمية على عدم وجود أية نية لرفع الأسعار.
الذكرى دفعت أيضاً المفكرين والسياسيين المصريين إلى مقارنة ما جرى في 18 و19 يناير 1977 والظروف المعيشية التي يمر بها الشارع المصري في الوقت الراهن، وطرح كثيرون السؤال المباشر عن إمكانية تكرار ما حدث في ضوء تكرار عمليات رفع الأسعار والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي يعاني من تأثيرها عشرات الملايين من المصريين.
هناك من تحدث عن ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية، كانت دافعاً لخروج الجماهير في انتفاضة يناير التي امتدت من الإسكندرية في الشمال وحتى أسوان في جنوب البلاد. وهنالك من أشار إلى الحيوية السياسية التي كانت سائدة وسط جيل خاض حرب اكتوبر1973 وتظاهر ضد حالة اللا سلم واللا حرب، قبل تحقيق النصر، وبما وفر وهيئ المناخ للخروج إلى الشارع احتجاجاً على قرارات اعترف النظام بخطئها وتراجع عنها.
وشتان بين ذلك الجيل الذي تحمل مرارة هزيمة 1967 وعبء إزالة آثار العدوان وتحقيق النصر، وأجيال أخرى تعمد النظام زرع قيم الفهلوة والسلبية والأنانية في عقولها وشعارات من نوع «شوف مصلحتك»، «وأنا ومن بعدي الطوفان» غيرها من مقولات فاسدة.
جيل تربى على أغنيات عبدالحليم حافظ وكلمات الأبنودي مثل «عدا النهار والمغربية جاية» وجيل باتت روبي نجمته المفضلة.. جيل عاش في خضم حركة وطنية في أوج عطائها الفكري والسياسي، وجيل بات مشرداً على أرصفة أحزاب وقوى سياسية عاجزة عن الفعل واختارت الجلوس داخل الحجرات المغلقة، وفضل غالبية قادتها البحث عن مصالحهم الشخصية في كثير من الأحيان على حساب الدور المنوط بهم في توعية الناس وقيادتهم للدفاع عن مصالحهم.
قد يتعلل البعض بأن النظام السياسي يقف بالمرصاد لأي تحرك واسع، وانه يلتف بين الحين والآخر على حالة الاحتقان بتعديلات محدودة لامتصاص الغضب المكبوت، لكن ذلك لا ينفي غياب وتخلي القوى السياسية المعارضة عن دورها المطلوب في التأثير.
وإذا كانت الحكومة تتخذ من القرارات والأساليب ما يضمن بقاءها، فالعيب ليس فيها وحدها، ولكن المسؤولية تقع بالتساوي على أولئك الذين اختاروا الوقوف في الخندق الآخر، ورفع لافتات الدفاع عن الجماهير والحفاظ على مكتسباتها التي تراكمت عبر صراع طويل وسنوات من الجهد والعرق والتضحيات.
هذا ما يجعل الإجابة بنعم عن سؤال هل يتحرك المصريون أمام أوضاعهم المعيشية الصعبة في الوقت الراهن على غرار يناير 77 مشكوك فيها ان لم تكن شبه مستحيلة!