تأتي الاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه المسألة العراقية في ظل سمات خمس تطبع هذه المسألة بقوة وتؤثر بالتالي بشكل كبير في نجاح او فشل أي استراتيجية للتعامل مع هذه المسألة المشتعلة والزائدة في الاشتعال أولا: سقوط العراق في مستنقع الحرب الأهلية فلم يعد من المجدي اللعب على الألفاظ والبحث عن تعريفات تقنية صعبة لتلافي الاعتراف بهذا الواقع المرير.
واقع التطهير المذهبي وقد حذرت مجموعة الأزمات الدولية من قيام «مناطق أحادية المذهب» في بغداد. واقع يتكرس كل يوم عبر أعمال العنف المتبادل وعبر سلوكيات مشينة لم تعد تخفيها أي عناوين وطنية أو عقائدية أو قانونية. ثانيا: سقوط واشنطن في الفيتنمة المتسارعة مع ما تحمله هذه من صور انسحاب مهين وتداعيات كارثية على واشنطن وأصدقائها القريبين والبعيدين.
ثالثا: إعادة تصويب المسار الأميركي بعد محاولات خجولة ومتأخرة ومحدودة للانفتاح على السنة وتشجيعهم على الانخراط في العملية السياسية، إعادة تصويب المسار وانتصار خط «الثمانين بالمئة» في الإدارة الأميركية أو العودة إلى خط التحالف الأصلي والأولي.
انه منطق ايا كان الخيار الذي يعتمده فإنه يعكس تكريس نظام الاصطفاف الطائفي والمذهبي في العراق الجديد الذي أوجدته واشنطن باعتباره «اللعبة الوحيدة في المدينة». رابعا: ازدياد الانتقادات للسياسات الأميركية وتبرأ بعض أهلها منها واضعين المسؤولية على سوء التنفيذ وسوء الإدارة. إدارة بوش تجد نفسها محاصرة من كونغرس قد لا يتفق على بديل للسياسة القائمة .
ولكنه يتفق على فشلها وفي أوساط المؤسسة الاستراتيجية وبين الحلفاء والأصدقاء الدوليين والإقليميين الذين وان أيد بعضهم السياسة الأميركية فهو يفعل ذلك بارتباك وحياء وخجل. خامسا: السقوط النهائي للنموذج الذي كان يفترض ان يقدمه العراق الجديد: نموذج الفوضى البناءة الواعدة بالديمقراطية التي تحولت إلى الفوضى المدمرة الحاملة لمزيد من الانهيارات والحروب.
الاستراتيجية الجديدة لم تكن جديدة في مقاربتها فبقيت في إطار المدخل العسكري عبر زيادة متواضعة في عدد القوات وتخصيص مبلغ مليار ونصف مليار دولار للمساعدة الاقتصادية مع بعض الوعود السياسية التي يفترض ان تنفذ بواسطة حكومة المالكي في اطار عملية «بناء السلم». لم تتحول الاستراتيجية الجديدة إلى اعتماد مقاربة سياسية شاملة للأزمة رغم ان المشكلة سياسية بامتياز وليست أمنية لا بل ان الشأن الأمني رغم طابعه الكارثي والخطير يمكن التعامل معه بشكل أفضل وأكثر نجاحا وفعالية في اطار تسوية سياسية شرعية.
الاستراتيجية الجديدة التي لقيت انتقادات واسعة وعنيفة اعتبرها البعض «أسوأ خطأ منذ فيتنام». وفي حين كانت واشنطن تعلن عن زيادة القوات كانت لندن الحليف الأقرب تعلن عن بدء تخفيض قواتها ولو ان التبرير كان بأن البصرة أكثر أمانا من بغداد و غيرها ولكن معنى التوقيت او رمزيته لا يخفى على احد. فلندن التي تتهيأ لمغادرة طوني بلير وقدوم جوردن براون إلى السلطة تبدأ بالبحث عن مخرج من السفينة الغارقة.
ملاحظات عديدة يمكن ادراجها لوصف هذه الاستراتيجية القديمة الجديدة: أولا مازالت واشنطن ترفض فهم طبيعة التركيبة العراقية التي تبلورت بعد سقوط دولة الأمس. التركيبة المذهبية الطائفية الشديدة التعقيد والحساسية وما تفرضه من مشاكل الشعور بالتهميش والاقصاء بالنسبة للبعض والانتصار والانتقام والخوف من خسارة هذه المكاسب بالنسبة للبعض الآخر والقلق المسيطر على الجميع ولو لأسباب مختلفة ولو بدرجات مختلفة.
فلعبة الاصطفاف والصدام والتحالف في «العراق الجديد» تقوم على الهوية الأصلية وليس على الخيارات السياسية بالمفهوم الحديث للسياسة الأمر الذي كان يستدعي ان تبحث واشنطن في استراتيجيتها قبل أي شيء آخر على دعم صنع عقد وطني جديد في العراق.
ثانيا، الحديث عن «معركة ايديولوجية حاسمة» في ظل هذا الموزاييك المتوتر والمتفجر في عناصره المركبة دليل على عمى إيديولوجي أو قصر نظر حاد ينعكس مثلا في الطلب من قوى طائفية القيام بتنازلات طائفية تفقدها بعض نفوذها وسيطرتها لمصلحة «الآخر» .
والأهم من ذلك الطلب منها بتغيير جلدها وعلة وجودها مثل الطلب من الحكومة تصفية الميليشيات وهو بمثابة طلب من شخص ان يقطع غصن الشجرة الذي يجلس عليه. ثالثا، إذ يعترف الرئيس الأميركي بوجود أخطاء في سياسة الأمس لكنها ليست الأخطاء الفعلية وراء المأساة العراقية فهو يعترف بأخطاء على مستوى الأداء وليس على مستوى فهم طبيعة الأزمة ودور المكونات العراقية الأساسية في هذه الأزمة وبالتالي سبل النجاح في تسويتها.
رابعا، تقدم الاستراتيجية الجديدة التصعيد العسكري كما لو انه البديل الوحيد عن خيار الانسحاب العسكري لكنها اذ لا تقدم اطارا سياسيا مختلفا فقد تدفع بالوضع إلى حائط مسدود وقد تندرج لاحقا في خيار الانسحاب العسكري على الطريقة الفيتنامية. وهنا المفارقة إذ تبدو هذه الاستراتيجية في نهاية الأمر وكأنها لعبة تربيع الدوائر وتقطيع الوقت بدلا عن استراتيجية تقوم على قطيعة مع سابقتها، وذلك لتوريث خليفة بوش بعد عامين قنبلة موقوتة اسمها المسألة العراقية، انها سياسة الهروب إلى الأمام.
خامسا، الاستراتيجية الجديدة تأتي كرفض قوي لتوصيات لجنة بيكر هاميلتون. ففي حين تدعو هذه الأخيرة إلى تشجيع خيار الدبلوماسية الإقليمية عبر العمل على انخراط سوريا وإيران في تسوية الملف العراقي ضمن شروط لهذا الانخراط فإن الاستراتيجية الجديدة تبتعد عن الدبلوماسية الإقليمية بشأن العراق لتركز على المواجهة الإقليمية عبر الساحة العراقية. وقد بدا ذلك من خلال التركيز على محاصرة الدور الإيراني في العراق بعد ان «تم اكتشاف» هذا الدور وأولى مؤشرات هذه السياسة كان اقتحام القنصلية الإيرانية في اربيل.
مخاطر هذه السياسة المتأخرة جدا في مجال ما تدعو إليه أنها تتنكر لواقع مفاده ان إيران موجودة سياسيا وعقائديا وامنيا وقد استقر وجودها عبر الوقت ولو بدرجات متفاوتة في النسيج المجتمعي لأكبر المكونات العراقية وسياسة المواجهة لإخراجها من العراق لن تؤدي إلا إلى مزيد من التوتر.
فبقدر ما ان العراق بحاجة لمؤتمر مشترك وطني خارجي يعمل على تعزيز العملية السياسية من خلال توسيعها وتشجيع وتأمين وضمان انخراط كل مكونات الشعب العراقي في هذه العملية ويعمل على خلق إطار تفاهم خارجي اقليمي دولي حول الخطوط العامة والأساسية للتسوية العراقية التي لا تحمل مخاطر على المصالح الأساسية لأي طرف خارجي مؤثر، بقدر ما ان الاستراتيجية الجديدة تقوم على مزيد من الأحادية العسكرية والصدام المفتوح والذي قد يصل إلى صدام مباشر مع الميليشيات الشيعية .
وهو نوع من صدام الكل مع الكل. فهل يستدعي الأمر تصعيد الاستنزاف العراقي وحول العراق للوصول إلى حافة الهاوية بغية ولوج باب التفاوض والتسوية الشاملة قبل ان ينهار الهيكل على الجميع، وبعد رفع منسوب الحرب الباردة الإقليمية والحرب الساخنة بالواسطة، ام ان الانزلاق لحرب أوسع واشد عنفاً قد تعبر حدود العراق وتؤدي إلى خلط الأوراق وتكون بمثابة زلزال في العراق وحوله هي الشرط الضروري «لعودة الوعي» وبداية الولوج ولو المكلف جداً إلى باب التسوية في العراق وحول العراق.