اعتبارا من اليوم الأول في عام 2007 أصبح عدد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هو 27 دولة بعد انضمام رومانيا وبلغاريا وليس 25 كما كان الحال منذ مطلع شهر مايو 2004، لكن هذا ليس التجديد الوحيد لهذه السنة وإنما هناك تجديد آخر هو أن رئاسة الاتحاد الأوروبي ستؤول لمدة ستة أشهر قادمة لألمانيا بعد انتهاء فترة الرئاسة الفنلندية، أي أن الاتحاد الأوروبي هو اليوم تحت قيادة «أقوى امرأة في العالم» كما وصفت مجلة «فورب» في شهر يوليو الماضي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

تجدر الإشارة أيضا إلى أن هذه السنة 2007 هي أيضا سنة الاحتفال بالذكرى الخمسين لتوقيع معاهدة روما عام 1957 والتي تشكّلت بموجبها النواة «المركزية» الأولى في مسيرة التوحيد الأوروبي.

الطموحات الألمانية خلال فترة رئاسة الاتحاد الأوروبي، وكما أعلنتها السيدة ميركل، كبيرة وهي ليست أقل من إحياء مشروع المعاهدة الدستورية الأوروبية ـ أي الدستور الأوروبي ـ بعد الرفض الفرنسي والهولندي لها في استفتاءين شعبيين؛ وتحديد سياسة أوروبية للطاقة مع الوصول إلى شراكة جديدة مع روسيا، وإنعاش مسيرة السلام في الشرق الأوسط، وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية. لا شك أن كل «طموح» من هذه الطموحات يشكل لوحده برنامجا «طموحا» هو الآخر من حيث تحقيقه خلال ستة أشهر.

لا شك أن الـ «لا» الفرنسية والهولندية لمشروع الدستور الأوروبي الذي جرى إعداده عام 2003 شكّل دليلا واضحا على وجود شرخ حقيقي بين «حماس» المواطنين الأوروبيين للاتحاد الأوروبي وبين واقع «التصريحات» التي يطلقها المسؤولون الأوروبيون العامرة بـ «الحماس» لأوروبا الموحّدة. هؤلاء المسؤولون قد ينطبق عليهم ما قيل ذات مرة عن الدبلوماسيين بأنهم «يقولون أكاذيب للصحافيين ثم يصدقون ما قرؤوه في الصحف».

لكن إذا كانت أوروبا الموحّدة لا تزال في «مرحلة المراهقة والتردد وعدم النضج» وهي في «سن الخمسين»، ورغم التصريحات «الدبلوماسية» لا بد أن يُسجّل لصالح مصداقية المسؤولين الأوروبيين أنهم «لا يطمسون» خلافاتهم ولا يضعون رأسهم في الرمل «مثل النعامة» ثم يعتبرون أن لا أحد يراهم لأنهم هم لم يعودوا يرون أحدا.

وإذا كانوا يدافعون عامة عن «المبادئ الكبرى» لأوروبا الموحّدة فهذا يعود لقناعتهم بأنها قد جلبت لهم السلام على الأقل، وباستثناء بؤرة العنف البلقانية لفترة من الزمن فإن أوروبا رفلت في فترة من الهدوء الشامل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولا يشذّ عن القاعدة الأوروبية «العامة» سوى دعاة النزعة القومية الشوفينية في مختلف الأمم الأوروبية، وهؤلاء أقوياء جدا أحيانا في بلدانهم مثلما في بلغاريا ورومانيا آخر المنتسبين إلى الاتحاد الأوروبي.

نعم يدافع الأوروبيون عامة عن المبادئ الكبرى لمسيرة التوحيد الأوروبي لكنهم لا يريدون بالقطع الوصول إلى إقامة «أمة أوروبية واحدة، ذات رسالة خالدة» وإنما بالأحرى الوصول إلى نوع من الاندماج الحقيقي الذي يحترم مصالح الجميع بل ويحترم هوياتهم الوطنية دون النظر إلى «كبير» وصغير.

ولا يخفي الأوروبيون تباين الآراء، بل والخلافات الصريحة أحيانا، حول الخيارات التي ينبغي تبنّيها. فمثلا تدافع كل من فرنسا والسويد عن الخيار النووي في ميدان الطاقة بينما ترفضه ألمانيا رفضاً قاطعاً، بل ترفض الخوض فيه أساسا على أساس أن الائتلاف الحاكم فيها منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة والذي يضم «اليمين واليسار» ليس له «موقف موحّد» حيال هذه القضية الحساسة.

ومع تأكيد الجميع على عمق التبعية الأوروبية للخارج في مجال الطاقة وخاصة حيال روسيا، فإن بولندة ترفض إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز الروسي إلى ألمانيا بينما بلغاريا تابعة بشكل شبه كامل تقريبا لموسكو في تزودها بالطاقة.

وهناك تباينات وخلافات بين فرنسا وألمانيا حول قضية إيجاد بنك مركزي أوروبي مستقل. فألمانيا تؤكد على أن هذه الاستقلالية ينبغي أن تكون كاملة وغير منقوصة أبدا بحيث يكون البنك كامل الصلاحيات بشأن القرارات والسياسة التي ينتهجها بينما تؤكد فرنسا على ضرورة فتح نقاش سياسي حول إدارته باعتباره «ملكية أوروبية مشتركة» ولا بد من مراعاة مصلحة جميع المالكين.

ومن جهة أخرى ورغم إقرار الجميع أن الثنائي الفرنسي ـ الألماني يشكّل المحرك الحقيقي لمسيرة التوحيد الأوروبي، فإن هناك تخوّفا فرنسيا، إلى هذه الدرجة أو تلك، من تعاظم القوة الألمانية مما قد يبعث أشباح الماضي، لاسيما وأن صورة «الصليب المعقوف» لا تزال طرية في الذاكرة.

وتباينات، وخلافات، حول سياسة الهجرة في أوروبا وحول مفهوم الدفاع الأوروبي وحول... وحول... ولكن في جميع الحالات هناك اتفاق على ضرورة إنعاش المسيرة «المتلكئة» تحت شعار «المصالحة بين أوروبا ومواطنيها» الذي رفعته أنجيلا ميركل.

لكن ماذا بشأن مشروع «أقوى سيدة في العالم» من أجل إنعاش مسيرة السلام في الشرق الأوسط؟

لقد افتتحت السيدة ميركل فترة رئاستها للاتحاد الأوروبي بزيارة إلى واشنطن. وهي تريد بذلك أن «تصطاد عصفورين» بحجر واحد. فمن جهة تعطي نفحة جديدة للحوار الأوروبي ـ الأطلسي، ومن جهة ثانية تحاول فتح ملف السلام في الشرق الأوسط الذي يحظى باهتمامها كما يدل الإعلان عن زيارتها للمنطقة خلال شهر فبراير القادم.

لكن الإفراط في التفاؤل بشأن ما سيثمره هذا الاهتمام في أرض الواقع قد يكون ضربا من التوهم. فموافقة الرئيس جورج بوش على عقد اجتماع للجنة الرباعية ـ أميركا وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ولا يعني أبدا أنه سيعطي للاتحاد الأوروبي دورا في الشرق الأوسط. بل أن قراءة سريعة للنهج السياسي الأميركي حيال هذه المنطقة يسمح بالقول، دون هامش خطأ كبير، إن إدارة بوش لا تريد، بل لن تسمح، بأن «يدخل الأوروبيون على الخط»، والموقف الإسرائيلي ليس غير ذلك.

بكل الأحوال، إذا كان لا يجوز التشكيك بنوايا الرئيس الحالية لرئيسة أوروبا، فإنه لا بد من التذكير، مع ذلك، أن السياسة «لا تمشي بالنوايا»، و«ما بين الرغبة والمقدرة يسقط الظل، لك المجد يا رب»، كما جاء في أحد مقاطع ملحمة جلجامش الشهيرة.

كاتب سوري ـ باريس