كما هو متوقع حصلت وزيرة الخارجية الأميركية على دعم الدول العربية «المعتدلة» التي زارتها أثناء جولتها الأخيرة لخطة بوش الجديدة إزاء العراق. ورايس تعرف أن هذا « الدعم » الإعلامي لن يكون له تأثير كبير في الواقع العراقي، ولكنها تريد أن تعطي أكثر من رسالة في أكثر من اتجاه.
فهي تريد أن تخاطب الداخل الأميركي الذي مازالت أغلبيته ترفض السياسة الأميركية الجديدة للرئيس بوش، وتطالب بتأمين انسحاب مشرف من العراق، علماً بأن هدف الرئيس بوش - بعيداً عن طنطنة التصريحات - لم يعد إقامة العراق «الديمقراطي » أو « المستقر» أو « الموحد »،.
وإنما إنقاذ نفسه وإدارته والخروج من الأزمة بأقل الأضرار. ومن هنا فهو يريد توجيه رسالة للشعب الأميركي بأن العرب «المعتدلين» معه، وقد سبق ذلك بتهديد واضح بأن الفشل الأميركي في العراق ستكون له آثاره الوبيلة على هذه الدول، وبالتالي فلابد من التعاون معه للخروج من أزمة العراق.
رسالة أميركية أخرى في هذه الجولة تقول: ( ساعدونا في العراق حتى لا تفتح عليكم نار جهنم. ولا تخافوا من مشاعر الشعوب ضد ما فعلناه ونفعله في المنطقة، فالسياسة الجديدة التي نتبعها في العراق تقوم على ما « اكتشفناه !!» بعد طول عناء بأن فلسطين ستبقى القضية المركزية وأننا أخطأنا حين تجاهلناها منذ مجيء الإدارة الأميركية الحالية التي أعلنت منذ اليوم الأول انحيازها الكامل والشامل والدائم لإسرائيل).
الآن ندرك أن لا استقرار ولا تقدم في المنطقة طالما بقيت هذه القضية بدون حل. وندرك أن هذا الحل قد يكون المنقذ للرئيس بوش بعد كل الكوارث التي حققها لأميركا لكي يحقق إنجازاً قبل نهاية ولايته يدخل به التاريخ بصفة أخرى غير الصفة المرشح لها كأسوأ رئيس منذ قيام الولايات المتحدة الأميركية.
وتبقى الرسالة الأساسية الموجهة لإيران حتى لا تكرر درس الشاه الأخير الذي أوكلت إليه أميركا أن يكون «شرطي الخليج » الذي يحرس مصالحها فتؤمن هي عرشه، ولكنه حين أحس بتنامي قوته وتوهم انه يستطيع أن يسيطر على المنطقة بعد رحيل الاستعمار البريطاني عنها، خاصة في ظل أجواء الهزيمة العربية في 67 وبدأ يعمل لذلك كان عليه أن يدفع الثمن وأن يترك العرش.
الآن توجه واشنطن نفس الرسالة. فهي على استعداد لقبول إيران كقوة إقليمية في الحدود التي تتفق مع المصالح المشتركة للطرفين، والتجاوز في هذه السبيل هو لعب بالنار. والمخاوف العربية خاصة في الخليج لا تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني فقط ولكن بمصير المنطقة بعد تدمير العراق الذي كان يمثل عامل التوازن الإقليمي مع إيران. هكذا جاءت رايس إلى المنطقة تسبقها حاملة طائرات أميركية تنضم للعمل في الخليج وتصريح من وزير الدفاع الأميركي الجديد بأن القوة العسكرية في المنطقة جاءت لتبقى لفترة طويلة.
وستعود رايس من جولتها التي أكدت أنها ستتكرر كثيراً في الشهور القادمة وفي يدها إعلان تأييد خطة بوش التي مازال الشعب الأميركي يرفض قبولها،لعل الإدارة الأميركية تستفيد من ذلك في صراعها مع الأغلبية الديمقراطية داخل الكونجرس التي تعلن من جانبها أن الترجمة الواقعية لهذا التأييد على ارض العراق لن يكون لها تأثير كبير في حسم المعركة، لكن ماذا يبقى في يد العرب ؟!
هناك بالطبع الإشارات الإيجابية عن القضية الفلسطينية وأولويتها بين مشاكل المنطقة، ولكن حديث رايس هنا يتضارب بشكل كبير، فهي تتحدث عن اللقاء الذي ترتب له مع أبو مازن واولمرت خلال الأسابيع القادمة وتصفه بأنه سيكون «أهم محادثات سياسية في الشرق الأوسط منذ ست سنوات» أي منذ محادثات القمة في منتجع كامب ديفيد الأميركي عام 2000 بين الرئيس الفلسطيني الراحل أبو عمار ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ايهود باراك تحت رعاية الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون. ولكنها تؤكد في نفس الوقت أن الظروف لم تنضج بعد لمحادثات سياسية جادة ،. وأن المتاح الآن أن ينخرط الجانبان في مناقشات ولقاءات تمهد للمفاوضات.
و أرجو أن تكون رايس قد سمعت في محادثاتها ما يؤكد ان الرأي العربي كله متفق على أن هذا النهج الذي تطرحه هو « كلام فارغ». فالحل موجود منذ ست سنوات ومحادثات كامب ديفيد التي استكملت بعد ذلك في «طابا» انتهت إلى شبه اتفاق، ولولا الزيارة المشئومة لشارون التي دنس فيها المسجد الأقصى فانطلقت الانتفاضة لكانت الأحداث قد أخذت مساراً آخر.
و قد نتفق أو نختلف على ما تم التوصل إليه يومذاك، ولكن كانت هناك تسوية وافق عليها عرفات وبالتالي كان يمكن تمريرها فلسطينياً، ووقف وراءها الرئيس الأميركي ولذلك كان يمكن تمريرها إسرائيلياً. ثم جاء الرئيس المؤمن بوش ليعلن منذ اليوم الأول أن القضية الفلسطينية ستوضع فوق الرف، ويصنف السفاح شارون بطلاً للسلام.
ويضم عرفات إلى زمرة الإرهابيين، ويطلق يد الجيش الإسرائيلي ليشن حرب إبادة على الشعب الفلسطيني.. إلى آخر القصة التي انتهت لاغتيال عرفات، وصعود حماس، وحصار الشعب الفلسطيني، ثم «عودةالوعي» للإدارة الأميركية بأن فلسطين ستبقى القضية المركزية التي لن يكون هناك استقرار في المنطقة إلا بالتعامل الجاد معها من أجل حل عادل.
والحل وفقاً لمنطق التسوية الأميركية ذاته لن يكون ـ مرة أخرى ـ بوضع المفاوضات كأنها الهدف، ولا بالاستغراق في الحلول المرحلية التي تضيع الهدف النهائي. وإنما الحل - كما كان الأمر في كامب ديفيد الأولى مع مصر وفي كامب ديفيد الثانية مع عرفات - أن يكون هناك تصور كامل للحل النهائي، وأن تكون المفاوضات حول التفاصيل والتوقيتات.
هناك الآن اتفاق طابا، وهناك أيضا المبادرة العربية، ويمكن بدمج الوثيقتين الوصول إلى تصور للحل يبدأ التفاوض حول تطبيقه والمراحل التي يمر بها.. الخ. أما أن تتحدث رايس عن انتظار « نضوج» الظروف من أجل البدء في التفاوض حول بدء التفاوض حول خريطة الطريق التي تم دفنها منذ اليوم الأول بشروط شارون الأربعة عشر التي أفقدتها جدواها.
وأن « تبشرنا » باجتماع تاريخي ربما يسفر عن تخفيف الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني أو الإفراج عن بعض الأموال للفلسطينيين، بينما العمل مستمر في الجدار العازل وفي توسيع المستوطنات، فهذا أمر لا معني له إلا انه محاولة لكسب الوقت حتى يمر العام الصعب في العراق، وحتى يتم تطويق المبادرات الدولية ( وخاصة الأوروبية ) التي تم طرحها.
وفي العراق يبدو الأمر أكثر تعقيداً وأكثر إلحاحا بالطبع. فالسياسية الجديدة التي طرحها بوش للتعامل مع الأوضاع هناك لا تستهدف مصلحة العراق ولا مصلحة العرب، ولكنها تستهدف فقط المصلحة الأميركية كما تراها الإدارة الحالية التي لا تريد الاعتراف بالفشل وتريد إنقاذ سمعتها حتى لا تكون مسئولة أمام الشعب الأميركي هذه المأساة التي حوسبت عليها جزئيا في انتخابات الكونجرس الأخيرة، ولكن الحساب الختامي مازال ينتظر الذين دلسوا على الشعب الأميركي وعلى العالم والذين لا ينبغي أن تقتصر محاكمتهم على الجانب السياسي بل أن يحاكموا كمجرمي حرب حقيقيين.
لقد تصادف أنه في اليوم الأول الذي عقدت فيه رايس اجتماعها بوزراء الخارجية العرب في الكويت، أن كشف الستار عن تقرير رئيس مكتب حقوق الإنسان في بغداد التابع للأمم المتحدة والذي يقدر فيه عدد الضحايا من المدنيين العراقيين عام 2006 بأكثر من 34 ألف قتيل و36 ألف مصاب.
والذي يؤكد أن «الحكومة العراقية أخفقت في حماية مواطنيها من الميليشيات الطائفية التي تتواطأ مع قوات الأمن أو تعمل من داخل صفوفها »!! هذه الحكومة هي التي يمنحها الرئيس الأميركي ( في خطته الجديدة ) كل ثقته ويعطيها مسئوليات أساسية لإعادة الاستقرار إلى العاصمة العراقية بغداد تمهيداً للسيطرة بعد ذلك على باقي الدولة.
فهل هذا ممكن ؟ إن المصادر الأميركية نفسها تبدي مخاوفها من سلوك الحكومة التي أوكلت قيادة القوات العراقية في العاصمة إلى عناصر طائفية.ومن هنا يؤكد مسئول أميركي « نحن نطبق استراتيجية جيدة لندعم حكومة هي في الحقيقة جزء من المشكلة !!».
لقد قيل كلام كثير للوزيرة رايس عن ضرورة إجراء تعديلات دستورية تحقق مشاركة كل الأطراف العراقية في الحكم، لكن هذه قضية مستقبلية، أما العاجل فهو الحاجة إلى حكومة إنقاذ لا تقوم على أسس طائفية تستطيع ـ إذا توفر لها الدعم العربي والدولي ـ أن تقضي على الميليشيات وأن تستوعب المقاومة الوطنية وأن تستعيد للعراق وجهه العربي.
ويبقى الجانب الخطير الذي يتعلق بالجار الإيراني، حيث جاءت رايس ووراءها حملة تصعيد تمثلت في تعزيز الوجود العسكري من ناحية، وفي القبض على مبعوثين إيرانيين رسميين في العراق، وفي تصريحات تؤكد مطاردة النشاط الإيراني في العراق وخارجه.
واذا كانت الإدارة الأميركية قد أنكرت بعد ذلك أنها تستعد لضرب إيران أو تشجع إسرائيل على ذلك، ووضعت كل الإجراءات التي اتخذتها في إطار الضغط على طهران لدفعها للتخلي عن سياساتها « المتطرفة » في الملف النووي وفي العراق ولبنان وباقي المنطقة، فإن ذلك كله لا ينفي خطورة الموقف الذي يمكن أن ينفجر في أية لحظة، ويؤكد الحاجة إلى رؤية عربية للتعامل مع إيران وفقاً لأسس موضوعية في مقدمتها :
* أننا وإيران شركاء في هذه المنطقة، وأن مستقبل العلاقة بيننا رهن بتحقيق أوضاع تحقق مصالح إيران ومصالحنا، وتستغل روابط الجوار والدين والتاريخ المشترك في ذلك.
*أن جزءاً كبيراً من الخلل الحالي ينشأ من الضعف العربي الذي يغري الآخرين بتوسيع مصالحهم على حسابنا. وبدون استعادة قدرتنا على الفعل وإرادتنا المستقلة على أن نكون طرفا أساسيا في تقرير مصير المنطقة، فإن العواقب ستكون كارثية.
* إن كل ما يجري على الساحة العربية يؤكد فشل كل الأوهام في إمكان تحقيق تقدم حقيقي وأمن واستقرار خارج دائرة المصير العربي المشترك.و إذا استمرت هذه الأوضاع فسنكون وحدنا المطالبين بدفع كل فواتير الحرب وكل تكاليف السلام.. أياً كان المنتصر وأياً كان المهزوم !!
نقيب الصحافيين المصريين