بعد وصوله في زيارة مفاجئة إلى البصرة، قال وزير الدفاع الأميركي الجديد: إن العراق يشهد الآن «لحظة حاسمة». عبارته استوقفت المراقبين، لأنها جاءت على خلفية احتشدت فيها تطورات فارقة. أبرزها كان التوجه الأمني الجديد، الذي كشف عنه الرئيس بوش مؤخراً.
والذي جاء خلافاً لمعظم التحذيرات والمقترحات العديدة التي رجحت فيها كفة الخيارات الدبلوماسية والسياسية. وفي طليعتها توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون. كما أنها جاءت في أعقاب تغييرات سياسية ودبلوماسية وعسكرية قام بها الرئيس بوش لفريقه العراقي. وكان من أهمها زيادة عدد القوات الأميركية في العراق بأكثر من 20 ألف جندي. رافق ذلك تشدد في الخطاب الموجه إلى إيران، كما في التعامل الأمني مع أطراف عراقية، فور بدء تدفق القوات الجديدة إلى هناك.
كل ذلك مع بعضه جعل من عبارة الوزير ـ الذي زار العراق مرتين حتى الآن في غضون الشهر الأول من توليه منصبه ـ علامة فارقة في التعاطي مع الملف العراقي، خاصة وأنها تجيء عشية تطبيق الخطة الأمنية الجديدة في بغداد، وهي الخطة التي قيل: إنها تستهدف الميليشيات والجماعات المسلحة، وبالفعل شهدت العاصمة عمليات مداهمة وتوقيفات بالجملة، حسب ما قال رئيس الحكومة نوري المالكي.
وللتدليل على مدى الإصرار والعزم على تنفيذ هذه الخطة أوضح الوزير الأميركي أن الفشل في هذه المهمة سيكون بمثابة «كارثة للمصالح الأميركية كما لمصالح دول أخرى» في المنطقة. بيد أن ذلك يعيد طرح السؤال القديم ـ الجديد: هل معالجة الوضع الأمني هي المدخل السليم، حتى لا نقول: المضمون إلى الحل؟
لا شك أن التدهور الأمني بالغ الخطورة، بات الهم الرئيسي في العراق وتداعياته أخذت تهدد الوضع برمته وتنذر بدفعه نحو الهاوية، وبالتالي فإن التصدي له مهمة لا يتقدم عليها شأن آخر.
المشكلة، بل العقبة، كانت ولا تزال أن معالجة الأمن بالأمن وحده غير مجدية، فبالرغم من كل التدابير التي تقرر اتخاذها، داخل العاصمة وحولها وعلى مداخلها ومخارجها، بقيت الساحة عصية على السيطرة، بل إن العمليات التي تحصد الناس بالجملة، ازدادت ومعها ازداد حجم النزيف. والأخطر أن مع هذا التزايد تعمقت الجروح واشتدت الاستقطابات، فيما تتوالى التحذيرات، بل الإنذارات، بأن الأمور تسير نحو الأسوأ و«باتجاه الكارثة»، التي لن تبقي على شيء.
في ضوء ذلك، يعود التعويل على الأمن أولاً ليثير ليس الشكوك فحسب، بل أيضاً المخاوف، لاسيما وأن المسؤولين العسكريين في قوات الاحتلال يحذرون من أن الخطوات المزمع اتخاذها لن تجلب الأمن والأمان بالسرعة المرغوبة، بل إنها تتطلب وقتاً لن يكون أقل من ستة أشهر، يمكن عند ذاك استعراض النتائج والحكم على العملية.
إذاً قد تأتي بالأمن وقد لا تأتي، لا ضمان، وكأن لهذه الخطة أبعاداً وجوانب وأغراضاً أولى وأبعد، في حسابات واشنطن، من الملف العراقي وتقديم المعالجات الناجعة له.
من هنا تعود الكرة من جديد لترمى في ملعب القوى العراقية المختلفة. لديها الجواب اليقين، فيم يتعلق بالعثور على المخرج الذي يقي هذا البلد ويلات الانهيار الكبير، الذي تحوم غيومه الملبدة في الآفق. يقظتها، اليوم وليس غداً، هي الضمانة التي يتعذر بلوغها من غير توافق سياسي وطني عريض على الإنقاذ والخلاص. فاللحظة فعلاً حاسمة سلباً أو إيجاباً، غيتس قالها وعلى العراقيين أن يختاروا.