سواء قررت الولايات المتحدة الأميركية توجيه ضربة لايران، أو هي اكتفت بمواصلة سياسة الضغط عليها كما أكد البيت الأبيض أول أمس فإن منطقة الخليج العربي هي التي ستتحمل بلا شك فاتورة هذا التواجد العسكري الأمريكي الحاشد في المنطقة، فمجرد حشد آليات بتلك الضخامة، وجيش بذلك العدد في حزام يطوّق كلّ دول الشرق الأوسط العربية، يعني أن جزءا من قرارها السياسي ومن علاقاتها الدولية سيخضع إلى الحقائق التي تحملها أمواج تطفو فوقها بوارج أمريكية، وتسبح معدات مجرد النظر إليها وهي فوق ماء الخليج المالح، يشعل نارا جياشة في صدور وعقول أصحاب القرار من المؤتمنين على مصير تلك الدول!
وليت الأمور تقف عند هذا الحدّ، فالعلاقة الأمريكية ـ الايرانية من شأنها أن تفرز سؤالا مقلوبا يقول: أي الطرين يضغط حقيقة على الآخر؟ ذلك أنه، وكما هو معلوم، تمتلك ايران من الأوراق ما يجعل علاقتها المتوترة مع «الشيطان الأكبر» علاقة معقدة أيضا، من الممكن إخضاعها لكل أنواع الابتزاز ولكل أشكال المناورات. ولولا هذه الحقيقة لما انتهى السيد أحمدي نجاد منذ أشهر إلى التصريح بما تليق به المرحلة، حين طلب من البيت الأبيض علنا، أن تتعامل مع بلاده كقوة اقليمية عظمى.
ليس انطلاقا من قوتها العسكرية، ففي هذا المجال، لا يوجد في العالم من يبزّ الولايات المتحدة، بل انطلاقا من الضعف الذي حاق بالادارة الأمريكية بعد أن غاصت في المستنقع العراقي على وجه الخصوص، وبعد أن اقتربت من الجنون العقائدي الشيعي الذي يمكن لفتوى واحدة أن تحيي روح الموت فيه، وان تنقله من طور الكراهية الدفينة لأمريكا، إلى طور ترجمته في أشكال مواجهة، سيهرع إليها المريدون وحدانا وزرافات وقطعانا.
ويمكن لذلك الجنون العقائدي، أن يمتدّ على مساحات لا تحدّ، من أراضي آسيا إلى خلجان المتوسط، كما يمكن أن يستوعب في حركته الغاضبة عدة أطراف سنية لم تلوثها المسائل الطائفية، ولا تجد نفسها البتة إلا في خنادق الضدّ الأمريكي.
وفي هذا المضمار يمكن الاشارة إلى «بروفة» الصيف التي عاد بعدها جيش الدفاع العتيد، إلى قواعده خائبا، والتي بدأت نتائجها العملية تظهر الآن في اسرائيل، وتأكل الآن رؤوسا كان حدها من قبل السماء، وهامات كانت لا تنظر إلى تحت أبدا.
وعندما عجز العقل العربي على قراءة كل هذا الذي يختمر منذ مدة، واصل دأبه القديم صوب الطرف الذي سيظل يخفيه حتى وهو يستنجد وواصل رفضه لرؤية استقطاب ثنائي، سينتهي بلا شك على حساب مصالحه، أيا كان الطرف المنتصر، هذا طبعا إذا لم ينتصر الطرفان!
عبد الرؤوف المقدمي