تأتي ذكرى الهجرة النبوية خاصة هذا العام في ظل أوضاع إسلامية غاية في السلبية تمضي من السيء إلى الأسوأ ولا شيء غير الاندفاع إلى حافة الانهيار إذا ما استمر الحال على ما هو عليه من تدهور وانحدار، وإذا كان حدث الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم قد شكل المعنطف الأعظم والأعمق شأناً في التاريخ الإسلامي كله، فإننا أحوج ما نكون اليوم إلى استلهام دلالات هذا الحدث ولما من شأنه تصحيح مسار هذه الأمة وتقويم اعوجاجاتها وخاصة في هذه الفترة التي لم تعد فيها المواجهة اليوم محصورة في ميادين التصدي لعدو خارجي وهو ما يقع في نطاق الأمر الطبيعي بل تعدت التحديات أو تحولت إلى الخطورة الداخلية، حيث الانحدار الحاصل للتطورات نحو اشتعال الفتنة واندلاع الصراعات الطائفية المقيتة.
ونوع من الهروب من الحقيقة ومغالطة الذات أن نلقي بأسباب ذلك إلى العامل الخارجي، إذ الأحق منه أنه لولا الهشاشة الداخلية ووجود الثغرات المادية والبشرية خاصة والعناصر المستعدة لتنفيذ مشيئة الغير ممن باع دنياه بدينه لاستحال ما تتعرض له المجتمعات الإسلامية من عمليات اختراق وما تخلفه من حرائق.
وزاد التطرف والإرهاب الطين بلة وأفرز أفدح نتائجه على الصعيدين الداخلي والخارجي بمنهجه التكفيري لأبناء ملته ونهجه التحريض الاستعدائي للعالم على مجتمعاته.
وتحددت آثار هذا التطرف أو انحصرت في واحدة من محصلتين أو كلتيهما بخلق بؤرة عداوات جديدة أو بإحياء روح التعصب المذهبي. وأما الموقف الخارجي فقد أوجد له الارهاب السبيل إلى احتلال موقع عسكري وسياسي متحكم في أوضاع المجتمع المسلم.
وتظل المشكلة بل تتفاقم طالما ظل الاهتمام والجهد الإسلامي منصرفاً عن فتح صفحة الهجرة النبوية وإعادة تدارسها والاستفادة من دروسها وعبرها إلى جانب الإحجام عن البحث عن المخارج والبدائل العصرية لاستعادة التضامن الإسلامي.
ومن الهجرة النبوية نتعلم أن العنف ليس هو الخيار الوحيد في الرد على قوة العدو وبطشه، فحين كانت المواجهة غير متكافئة اختار الرسول الهجرة دون خشية من تحميلها معاني الخوف والهروب.
والرسول عندما حان موعد العودة إلى مكة وتسنت إمكانية الفتح قرر الدخول السلمي إليها وكان العفو شيمته ورده على من عاداه من قريش بالصفح رغم ما ألحقوه به من أذى.
وكان النطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله الكلمة الفصل في علاقته وتعامله مع من انضم إلى الإسلام وهو من قاوم ورفض الانصياع لكل محاولات الضغط عليه لتغيير موقفه والتصادم مع من جرى التحريض عليه لأنه صلى الله على وآله وسلم كان يستمد قوة منطقه من رسالة التوحيد التي جاءت رحمة للعالمين وبالحكمة والموعظة الحسنة انفتح العالم على أوسعه لاستقبال رسالة السلام التي بعث بها نبينا الكريم، وهو الرسول الذي توخى الرحمة حتى في اختلاف الأمة أو هو الذي كرس مبادئها كأساس وغاية للاختلاف.
وبالعودة إلى هذه القيم فإن بوسع هذه الأمة استعادة لحمتها وتأمين حياة العزة والكرامة لأجيالها بما في هذه الرسالة من وفرة لجميع المبادئ اللازمة للنهوض الحضاري.