"نحن وأميركا".. عنوان قصة يتداخل فيها اللامعقول, بالمطالبات اللاشعورية, والشعورية, بالاحساس بالأحقية الذي لا يقتضي المبادرة, بالبرود الأميركي المفترض, وكذلك بالعداوة والانحياز الى العدو بلا مبرر. والقصة من أساسها تدور حول هذه الافلاك التعيسة الوعرة وتدلل على مركبات نقص صعب جدا القفز فوقها, لان الدعوة الى التجاوز في هذا المجال تضع صاحبها في مرمى الاتهام والادانة والإقصاء والتخوين, أي تضعه مرة واحدة خارج الفلك العاطفي لبني قومه, منبوذا »حقيرا« ومقهورا.

والى ذلك فان السؤال الذي نطرحه على أنفسنا وهو: لماذا لا نحب أميركا, ولماذا أميركا لا تحبنا? لا توجد اجابة عليه من قبلنا كون كراهية أميركا عندنا أصبحت من المسلمات الوطنية الواجبة, وحتى معالجة هذا الشعور السلبي لا تخطر لنا ببال, لان المعالجة هذه تلوث هذه المسلمات وتقودنا الى مهالك الارتداد والتحول.

»نحن وأميركا« هو العنوان الذي يجب أن يتحول الى أسماء اخرى بعد ان أصبحت أميركا في صلب حياتنا السياسية, وبعد ان اصبحت حاملة مفاتيح الاقدار في هذه المنطقة, والتي عرفت اسرائيل كيف تجتذبها الى يديها وتتجاور بها عقدة الرواية البدائية التي تلزم بالعداء لأميركا , لان من دون إلزام ستكون مصالحنا عرضة للانهيار, وثرواتنا, وبالذات البترولية, عرضة للنهب والهدر.

نحن نقول أنه حان الوقت لفتح ملف هذه القصة, وأن نضع أنفسنا عرضة للنقد الذاتي, وأن نجاوب بصراحة على أسباب العداوة, ولماذا لا نملك لأميركا الا العداوة.. هذه المهمة التي بتنا نرى أنها أصبحت مهمة وجودية ومصيرية, يفرضها الزمن الراهن ومجاورة أميركا لنا بحاملات طائراتها وإمساكها بكل ملفاتنا, وبالحلول لأزماتنا المتفاقمة.

وما يحتم المواجهة مع النفس ليس فقط عدم تساوي واختلال موازين القوة, بل استيعاب الفكرة البسيطة وهي ان أميركا التي نعلن عليها العداء بلا سبب, لا بد وأن تبادلنا الشعور نفسه وتعادينا وتكرهنا... نحن أمة قعدنا عن المشاركة في مسيرة تقدم البشرية, علما واختراعا وفلسفة وتحضرا, منذ أكثر من ثمانمئة عام, وبالتحديد منذ ان غابت آخر شموسنا عن اسبانيا في الاندلس.

ومنذ ذلك التاريخ السحيق اصبحنا أمة تجلس على الارصفة وتعرف سائر الامم عليها بماضيها التليد السابق وكأنها تقول ارحموا عزيز قوم ذل, فلا تكون النتيجة الا مزيدا من عدم الاكتراث والتناسي, ومحاولات الاقصاء الوجودي عن حركة المجتمع البشري المتوافق على التقدم وعلى التحضر, وعلى المزيد من تحقيق الاستكشافات العلمية والانجازات التكنولوجية.

نحن الان ماذا لدينا نعطيه لأميركا مقابل تصويب المعادلة العاطفية معها? لاشيء, اللهم سوى عبقريات بن لادن العنترية الماضوية وتابعه الظواهري, وما ينتج عنها من أعمال ارهاب تخريبية, ومن نظريات تمجد الموت وتحتقر الحياة, تروم المراثي وتهجر الافراح, وسوى الهتاف في الشوارع» داون داون أميركا«, وسوى التراشق بالاتهامات ووصف كل متفهم لواقع المجتمع الدولي بأنه عميل لأميركا, وعميل للمخابرات الأميركية التي أصبحت كالمأذون الشرعي يزوج الازواج ويطلقهم, ويقف خلف كل نزاع حتى لو كان بين رجل وامرأته.

»نحن وأميركا« عنوان القصة المخيفة التي تروي كما من الشذوذ النفسي والعاطفي يكفينا للعمى عن حقائق الواقع والعمل بموجبها, وتجعلنا عاجزين عن الاجابة لماذا الكراهية, ولماذا تبادل الكراهية, ولاجل ماذا. لكننا برغم ذلك لا نعترف بوجود هذا الشذوذ العاطفي, فترانا نلقي بأخطائنا دائما على الغير ونمعن في تبرئة الذات وتنزيهها, ونؤثر في النهاية لكي نرتاح ان نضع الحق على أميركا التي نواصل بعد ذلك إطلاق مشاعر اللوم والكراهية عليها, وتحميلها المسؤولية عن آلام كل بني الانسان.

لم نعرف حتى الان الميكانيزمات التي تعمل بها السياسة الأميركية, ولم نفهم كيف تدور عجلة السياسة الأميركية, ومن يديرها ويؤثر عليها.. لا نزال نسقط ما عندنا من قيم أولية, او بدائية ان شئتم, على أدوات العمل السياسي الأميركي, فنعتقد أن صاحب القرار وصانع السياسة هو الرئيس, بينما صاحب القرار هناك, الغائب عندنا, هو مؤسسات المجتمع المدني الأميركي, التي يذكر جميعنا ان بعضها عارض الحرب على العراق يومها, ولم تنفذ إرادته كون هذا البعض كان يمثل الاقلية بين المؤسسات ...

وحتى الستراتيجية التي وضعت للعراق الان فانها استمدت من ارادة المجتمع المدني الأميركي ولم تصدر لتعبر عن رغبة شخصية للرئيس بوش.. والان فان مؤسسات هذه المجتمع لو تظاهرت لاجل قيام دولة فلسطينية, فان هذه الدولة ستقوم, ولن يقال ان الرئيس الأميركي هو الذي ساهم في قيامها بل أميركا كلها والمجتمع الأميركي كله.

ان من يهدي بن لادن والظواهري للانسانية, لن يكون مثل من يهديها بيتهوفن وموتزار وصانع الكومبيوتر ومهندس غزو الفضاء, وأجهزة الاتصالات المتنقلة والتصويب بأشعة اللايزر, فهل بعد ذلك نحتار حين نسأل لماذا يكره الناس من يهديهم رصاص الموت ويحبون من يهديهم باقات الورود.?

احمد الجارالله