مشكلة العرب المستديمة مع الإدارات الأميركية، وخاصة إدارة بوش الحالية، أن هذه الإدارات تأتي إليهم لمعالجة مشكلاتها ومشكلات «إسرائيل» على حسابهم سياسياً ومالياً وسيادة أحياناً، دون أي حسبان للقضايا العربية، وعلى رأسها قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

واللافت للانتباه في هذا السياق أن المطالب الأميركية من العرب غالباً ما ترفق بتهديدات وتحذيرات وإملاءات، وتكون بعيدة كل البعد عن القواعد السياسية المتعارف عليها، وما تتضمنه من دبلوماسية المشاورات، والتنسيق والعمل المشترك المتكافئ من الجانبين. ‏

هذا ما حدث الآن، على سبيل المثال، في إطار جولة الوزيرة رايس في المنطقة، ولقاءاتها مع بعض المسؤولين العرب بقصد الترويج لاستراتيجية بوش الخاصة بالعراق، فهي أعلنت، حتى قبل بدء جولتها، أنها لا تحمل أجندة سلمية للمنطقة، ولا تنوي الخوض في هذا المجال، وأن كل ما يمكن أن تقدمه للعملية السلمية هو الإصغاء للآخرين فقط. ‏

من المستهجن فعلاً أن يصدر مثل هذا الكلام، وهذا الموقف من وزيرة تعرف جيداً أن حل قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي أساس لابدّ منه لإحلال السلام والاستقرار في المنطقة، وأن «أضعف الإيمان» يوجب عليها الانخراط في المسعى السلمي، وتقديم أفكار عما يجب على إدارتها فعله في هذا الإطار. ‏

والمستهجن أكثر أن الوزيرة رايس التي امتنعت عن الاقتراب من ملف سلام المنطقة خلال جولتها التصقـت ـ وليس اقتربت ـ بالعدوانية الإسرائيلية، وأعطت «إسرائيل» جرعة دعم اضافية، وسكتت كعلامة رضى عندما سئلت في القدس المحتلة عن مخططات حكومة أولمرت الاستيطانية. ‏

العرب مطالبون بأن يدعموا الخطط الأميركية، وآخرها استراتيجية بوش، دون تحفظ، ودون أي مقابل من الجانب الأميركي الذي لا يكتفي في عهد إدارة بوش الحالية بوضع ملف عملية السلام على الرف فحسب بل يضغط على «إسرائيل» لمنعها من استئناف محادثات السلام على المسار السوري مثلاً، ويدفع إلى المزيد من القتل والتخريب والتوتير في المنطقة، ويعطي «إسرائيل» ما لا يعطيه للولايات المتحدة الأميركية، بقصد تمكينها من مواصلة الاحتلال والعدوان. ‏

أليس من حق العربي سواء أكان حاكماً أم مسؤولاً أم مواطناً عادياً أن يسأل: ماذا قدمت إدارة بوش للعرب خلال ست السنوات الماضية غير احتلال العراق وتدميره، وقتل زهاء سبعمئة ألف من بنيه وتهجير مئات الآلاف منهم؟ ماذا قدمت غير وأد المشروع السلمي الفلسطيني ودفع حكومات الاحتلال الاسرائيلي إلى قتل آلاف الفلسطينيين، وإلى إحكام الحصار التجويعي على الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، وتعريض أطفاله للموت؟.. ماذا فعلت غير جرّ «إسرائيل» إلى عدوان تموز على لبنان وما نجم عنه من قتل وتدمير؟ وهل هذه المواقف لإدارة بوش تستحق الدعم العربي لخططه واستراتيجياته؟ ‏