اتاحت المحادثات التي اجراها جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين مع نائب الرئيس العراقي السيد طارق الهاشمي ، ورئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة الفرصة من جديد لكي يوضح الاردن موقفه المبدئي من كل ما يجري على الساحتين العراقية واللبنانية مثلما سبق وان اوضح الموقف ذاته مما يجري على الساحة الفلسطينية ، والمتمثل في ان الحوار الوطني بين الاطراف والجماعات المختلفة ليس مجرد حل للازمات القائمة وانما هو واجب لا مفر من تحمل مسؤولياته العاجلة والضرورية للخروج من تلك الاوضاع المأساوية الى فضاءات المصالحة والامن والاستقرار والحرية والسلام.

لا نشك للحظة واحدة ان القيادات الرسمية في تلك الساحات الساخنة تدرك ان الموقف الاردني منحاز لمصلحة الشعوب العربية وانه وان كان يأخذ في الاعتبار اسباب الخلافات فانه لا يتدخل في التفاصيل ولا يقبل سياسة المحاور ولا خلط الاوراق لان ذلك الموقف يجعل سيادة الدول وحريتها واستقلالها ، والمحافظة على وحدة الارض والشعب فوق اي اعتبار اخر ، ويدفع في هذا الاتجاه على المستوى السياسي ويقدم مساندته العملية تبعا لذلك.

لقد شدد جلالة الملك خلال لقائه السيد طارق الهاشمي على ضرورة تحقيق المصالحة الوطنية بين جميع العراقيين سنة وشيعة وافرادا خدمة لتطلعات الشعب العراقي الذي يدفع ثمن العنف والفوضى من دماء ابنائه ، وسبق لجلالته ان اوضح لوزيرة الخارجية الامريكية خلال زيارتها الاخيرة لعمان انه من دون اشراك جميع اطياف الشعب العراقي في العملية السلمية فان الاستراتيجية الجديدة التي اعدتها الادارة الامريكية لمعالجة الوضع في العراق سيكون مصيرها الفشل ، وحين يعرض جلالته هذا الرأي الموضوعي بقوة ووضوح فانه في المقابل يبدي استعداد الاردن لتقديم المساعدة لتحقيق ذلك الهدف بكل ما لديه من امكانات.

ومع الفوارق الجوهرية والفرعية بين الوضع في العراق والوضع في لبنان فان الموقف المبدئي لا يتغير من حيث الاسس التي يقوم عليها ، والتي تتلخص في انه مهما كانت طبيعة الخلافات ووجهات النظر المتباينة فان الجميع يقفون على مفترق طرق ، فاما يحققوا المصالحة الوطنية على قاعدة المصالح العليا ، واما ينزلقوا نحو المواجهة التي لن تجلب غير الخراب والدمار.

في المباحثات التي اجراها جلالة الملك ورئيس الوزراء الدكتور معروف البخيت مع رئيس الوزراء اللبناني جدد الاردن دعمه للجهود المبذولة لحل الخلافات بين الحكومة والمعارضة عن طريق الوفاق والتفاوض السلمي ، والتزامه بالمساهمة في اعادة بناء ما دمره العدوان الاسرائيلي الاخير ، وكذلك مساندته في مؤتمر باريس الذي سيعقد نهاية الشهر الحالي من اجل دعم الاقتصاد اللبناني.

ولعلنا نكتفي هنا بما قاله كل من السيدين الهاشمي والسنيورة بشأن الدور الايجابي الذي يقوم به جلالة الملك والدعم الذي يقدمه الاردن للشعبين الشقيقين العراقي واللبناني كدليل على التقدير الذي يحظى به الموقف الاردني من حيث منطلقاته وابعاده وفائدته من الناحية العملية ، ولما يشتمل عليه من رؤية متوازنة يمكن تحقيقها رغم محاولات الشد الى العكس ، وبعض التدخلات الخارجية والردود الانفعالية لان العزيمة الصادقة والنوايا الحسنة تكفي لكي تعيد الاطراف المختلفة سواء في العراق او لبنان الى جادة الصواب ، وتلك هي نصيحة جلالة الملك المرفوقة باستعداده لتقديم الاسناد العملي من اجل الوصول اليها خدمة للشعبين الشقيقين وللمصالح القومية المشتركة ايضا.