يتوهم البعض أن القوة تعني الحق، بل يزيد البعض في الوهم بأن القوة فوق الحق، لأنها في النهاية تستطيع فرض إرادتها وصنع حقيقتها وكتابة تاريخها وفق رؤيتها..مع أنه لا يستطيع أن يدرك بالواجب والواقع أن الحق في نهاية النهاية هو أقوى من مراكز القوة وأعلى من إرادات الأقوياء.
ويختار هذا البعض الواهم وإن تصور أنه الفاهم موقفه الخالي من القيمة والمجافي للشرف بتأييد المنتصر سواء أكان على حق أم على باطل، وبمنطق التخاذل يقنع نفسه أنه طالما لا يستطيع مواجهة القوة فعليه بالتصفيق للقوى خوفا وطمعاً، وبإدانة المهزوم ولومه بغض النظر إن كان معه الحق أو كان مع الباطل، وبمنطق الجبن يقتنع أن الضعيف ليس بمقدوره ما يخيف كما ليس لديه ما يفيد، كما أنه لن يخسر شيئا إذا هاجمه، وقد يكسب أشياءً من إرضاء القوى.
نلاحظ مثل هذه النماذج من المواقف السياسية لبعض الدول أو من السلوكيات الانتهازية لبعض الأفراد أحيانا بالمواقف من القضايا الدولية وخصوصا تلك التي عادة ما تعتدي فيها الدولة الكبرى الغنية على الدولة الصغرى الفقيرة لتعويض هزائمها في زمان أو مكان آخر.
كما نلاحظ مثل هذه النماذج من الممارسات الإعلامية أحيانا المجافية لمواثيق الشرف الإعلامي التي قد تبرر لنفسها وتحاول التبرير لغيرها اتخاذ مثل هذه الأنماط من السلوكيات التي تدرك أو لا تدرك أنها تفقدها المصداقية وتسحب منها الثقة وتثير استياء الرأي العام.
بينما الإعلام ليس من مهمته الصمت إزاء القضايا الدولية والإقليمية عموما والعربية والإسلامية خصوصا، وليس من طبيعته الحياد حتى وإن ادعى أنه محايد، وأقصى ما يستطيعه أن يحاول أن يكون صادق الخبر وموضوعي الرأي وغير منحاز السياسة لطرف على حساب الحق أو لآخر لحساب الباطل، فلا شرف لموقف يقف ضد الحق ويؤيد الباطل..
وبينما قد يكون صحيحا أنه لا قيمة لاتخاذ موقف محايد بين الحق والباطل في أي قضية، فربما يكون الأصح هو أن الموضوعية التي هي أساس المصداقية تميل لاتخاذ موقف مستقل، وفارق بين الحياد المزعوم والاستقلال المعلوم..
وفي حين يأتي موقف الحياد من عدم رغبة منذ البداية في الوقوف «مع» حتى وإن اتضح له أنه حق، وكذلك من عدم رغبة في الوقوف «ضد» حتى وإن تبين له أنه باطل، وفي رأيي أن هذا موقف مائع لا طعم ولا لون له ولا رائحة بشكل مقصود إيثارا للسلامة وهو ما يمكن تفهمه بقياسات إنسانية، أو حتى لا يدفع ثمنا لمواقفه وهو ما يمكن تفهمه بحسابات تجارية..
ينطلق موقف الاستقلال من رغبة في التحرر من ضغوط القوة من أطراف القضية حتى لا تحجب عرض الحقيقة الخبرية أو تمنع من إعلان الرأي دفاعا عن الحق، وهو بهذا إعلام يعرض ما يرجح أنها الحقيقة و يعارض ما يرى أنه باطل ويدافع عما يعتقد أنه حق بعيدا عن حسابات المكسب والخسارة وحتى ولو دفع الثمن بشكل أو بآخر.
وأجهزة الإعلام العربية التي تسعى إلى المصداقية لدى جمهورها يأتي مضمون رسالتها الإعلامية من صورة وخبر ورأى متسقة مع ما يعتقد أنه حق، والتي تسعى للحقيقة باعتبارها حقا للمتلقي وواجبا على المرسل، انطلاقاً من الإيمان برسالة الإعلام الأخلاقية السامية التي ترى الحقيقة اشتقاقا من الحق، وأنه الأحق بأن يتبع باعتبار «الحق» اسما من أسماء الله الحسنى.
نتحدث هنا عن الإعلام الذي يصف نفسه بالحياد ولا يعنيه الوقوف مع الحق أو ضد الباطل حتى لا يغضب طرفا، وأيضا عن «الإعلام» الذي يتصف بالاستقلال ولا يحايد بين الحق والباطل ولا يعنيه أن يغضب منه طرف لأنه يخالفه الرأي أو الطرفان معا لأن له رأيا ثالثا..
ولا نتحدث عن «الإعلان» الذي ينشر فقط لمن يدفع ويحجب عن النشر من لا يدفع، ويلمع من يدفع أكثر، ويبرز من يدفع أكثر وأكثر، ويخضع لطلب القوى خوفا من سيفه، ويجامل الثري طمعا في ذهبه، ومضمون رسالته الإعلانية هو إرضاء كل الزبائن تحت شعار «الإعلان سيد الجرنان» !
والإعلام المستقل ليس بمقدوره أن يكون حرا ولا مؤثرا إلا إذا تحرر من سطوة المال وسلطان القوة، إما بملكيتهما أو بحيادهما، كما أن الحق لا يمكن أن تعلو رايته والحقيقة لا تقوى على السيادة إذا وقف المال والقوة في الاتجاه المقابل أو المناوئ لها،غير أن كلاهما قد يستطيع أن يحجب حقيقة لكنه أبدا لا يستطيع أن يصنع حقيقة.
ولكن إذا كان أعدى أعداء الحق والحقيقة هم الأقوياء من البشر، الظالمون لغيرهم من البشر، فإن الله تعالت قدرته هو الأقوى من كل قوي والأغنى من كل غني هو القادر وحده في النهاية على نصرة الحق وهزيمة الباطل إذا ما عجزت قدرة البشر، لأنه هو «الحق» وهو القائل: «ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز».
وإذا كانت الحرية الإعلامية لا تعني اللامسؤولية، والشجاعة لا تعني الحكمة مثلما أوصانا علي بن أبى طالب كرم الله وجهه، فإنه «ليس كل ما يعرف يقال ولا كل ما يقال جاء أوانه ولا كل ما جاء أوانه حضر أهله» وهذا منهج إعلامي بليغ لا يمنع الحقيقة من النشر، ولكن مع الوعي بأوان نشرها ومن المعني بها.
بينما الإعلامي الحر هو من يضع نصب عينيه ألا يكتب رأيا إلا ما يعتقد أنه الحق، ولا ينشر خبرا يرجح أنه يخالف الحقيقة، ويدرك أن الحكمة الذهبية تزوده بمصابيح الرؤية وأدوات تحديد التوجه الصحيح حين يعرف أنه ليس شرطا للحرية أن يقول كل ما يعتقد وإنما الشرط هو أن يعتقد بكل ما يقول.
وأنه إذا كان لن يخفف آلامه أن يكون العالم واسعا إذا كان حذاؤه ضيقا، فلن يجديه في النهاية أن يكسب العالم كله إن كان في المقابل سوف يكون مضطرا إلى أن يخسر نفسه. إن هذا هو المطلوب حتى يبقى الحق فوق القوة، وتبقى القوة في يد الحكماء.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com