اعلن اخيرا بوش عن تلك الاستراتيجية التي اعتبرها المخرج الاكفأ للخروج من المأزق العراقي وقبل الخوض في اسباب هذه الاستراتيجية لابد من الاشارة إلى الظروف التي سبقت اعلان بوش حيث ان التخطيط لهذه الاستراتيجية لم يأت وليد اللحظة ولا من صحوة ضمير بوش التي نبهته إلى ان بغداد تحترق.
الواقع ان التفكير بوضع استراتيجية مفادها زيادة عدد القوات الأميركية في العراق كان موجودا بانتظار نتائج الانتخابات الأميركية فلو جاءت نتائج تلك الانتخابات لصالح ادارة بوش لتم اعلان استراتيجية بوش منذ ذلك الوقت. ولكن نتائج الانتخابات استدعت استخدام مقدمات وخطط بديلة قبل ان يعلن بوش استراتيجيته. اذن ما هي تلك المقدمات والخطط لتي وضعت في سبيل التمهيد لاستراتيجية بوش.
المقدمات
اولا: اقالة دونالد رامسفيلد على الرغم من كونه عراب غزو العراق والرفيق المخلص لبوش الا انه لم يتردد في اقالته حيث ان بقاءه كان يعني الحكم بالموت مقدما على اي استراتيجية تتضمن زيادة عدد القوات الأميركية في العراق حيث ان معظم اعضاء الكونغرس لا يثقون بخطط رامسفيلد ولا بقدرته على ادارة الجيش الأميركي.
ثانيا: لجنة بيكر ÷هاملتون حيث كان على بوش وادارته الصبر على مقررات لجنة بيكر. بوش كان يدرك مسبقا ان هذه اللجنة ستضع توصيات محرجة لادارة بوش خاصة التوصيات الثلاث الاساسية: فتح الحوار مع سوريا وايران، خفض القوات الأميركية في العراق، والاستعداد لانسحاب تدريجي،
الواقع نحن جميعا نعرف حجم تأثير اللوبي الصهيوني في المؤسسة السياسية والعسكرية والاقتصادية الأميركية . وبالتالي فإن بوش كان يدرك ان توصيات بيكر لن ترى النور ان الجميع كان بانتظار المبادرة البديلة التي تخاطب التطلعات والتوجهات الصهيونية في الشرق الاوسط.
ثالثا: الخطوة الاخيرة قبل اعلان استراتيجية بوش الجديدة كانت الحكومة العراقية حيث ان حكومة المالكي بدأت اكثر ميلا باتجاه التأثير الايراني واصبح نفوذ الميليشيات يقلق الولايات المتحدة . الواقع ان الولايات المتحدة اضطرت لاستخدام ورقة الجوكر في تلك الصفقة التي تمت في لقاء بوش المالكي في عمان، ورقة الجوكر كانت اعدام الرئيس العراقي صدام حسين ذلك الثمن الذي لم تستطع الحكومة العراقية رفضه مقابل القبول بمتطلبات استراتيجية بوش الجديدة.
واذا صدقنا التبرير الذي قدمته الحكومة العراقية لتوقيت اعدام الرئيس العراقي وذلك بان هناك معلومات بأن هناك خطة معدة لهروب الرئيس العراقي الراحل من سجنه الأميركي فان هذه المعلومات تم تسريبها عمدا من قبل الإدارة الأميركية لخلق جو دولي واقليمي معاد لحكومة المالكي وان هذه الحكومة تسيطر عليها الميليشيات وذلك تمهيدا للتخلص من تلك الحكومة (غير الفاعلة).
الاستراتيجية
في الواقع ان المتتبع لشخصية بوش وخاصة في ما يتعلق بالعراق كان ليتوقع ان بوش لا يتراجع عن اخطائه انه يمضي قدما بطريقة تجعل المراقب يعتقد اما ان بوش شخصية محيرة. إن استراتيجية بوش الجديدة تركزت على النقاط التالية:
- رفع عدد القوات بإرسال أكثر من 20 ألف جندي إضافيين
- تحسين قدرة قوات الأمن العراقية لحماية السكان المدنيين
- تحديد أهداف مرحلية سياسية للحكومة العراقية
- تقديم مليار دولار أميركي على سبيل المساعدة في برنامج إعادة الإعمار ولتطوير العراق اقتصاديا
- اتخاذ موقف قوي إزاء إيران وسوريا، اللتين اتهمهما الرئيس بوش بزعزعة استقرار العراق المجاور لهما
وقد بدأ الرئيس بوش بتقييم سييء للوضع، حيث قال إن العنف الطائفي تجاوز المكاسب السياسية التي حققها العراق منذ غزوه عام2003
كما ان بوش قدم بعض الامور الاساسية التي استندت عليها استراتيجيته حيث قال في خطابه إن الغالبية العظمى من القوات الإضافية التي سيتم إرسالها ستتجه إلى بغداد وستقاتل إلى جانب وحدات عراقية لتأمين الأحياء العراقية من الإرهابيين والمتمردين.
وتابع قائلا ستكون لقواتنا مهمة واضحة المعالم، ألا وهي مساعدة العراقيين في تطهير وتأمين الأحياء، ومؤازرتهم على حماية السكان المحليين، وللمساعدة في ضمان قدرة القوات العراقية على توفير الأمن الذي تحتاجه بغداد.... ولكن بوش قال إن تلك الجهود ستنجح فيما فشلت فيه العمليات السابقة، لأن مستويات القوات هذه المرة ستكون كافية للاحتفاظ بالمناطق التي يتم القضاء على المسلحين فيها.
وأضاف أنه سيتم إرسال نحو أربعة آلاف جندي إلى محافظة الأنبار، الواقعة ضمن ما يعرف بالمثلث السني. وقال بوش إن القاعدة كانت تخطط للسيطرة على المحافظة، غير أن زعماء العشائر بالمنطقة أبدوا بوادر الاستعداد لمقاتلتها..
بوش وضع الحكومة العراقية الحالية في اهم واخر اختبار لجدواها وفعاليتها حيث طالب بوش الحكومة العراقية الوفاء بالتزاماتها، مذكرا بوعد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بالحملة على الخارجين عن القانون من جانبي الشق الطائفي في العراق، والحاجة لتحسين الخدمات الأساسية في العراق.
وبالتالي فإن أمريكا ستقيس الحكومة العراقية على أساس الأهداف التي أعلنت عنها.اذن بوش قدم استراتيجية الاهداف التي اعلن عنها ولكن ما هي تلك الاهداف المخفية التي استترت وراء هذه الاستراتيجية ؟ والأحرى ان نسأل ايضا عن النتائج المتوقعة من وراء مغامرة بوش هذه؟
الاهداف الحقيقية والنتائج المتوقعة
في الواقع هناك هدفان يمكن ان يستترا وراء استراتيجية بوش الجديدة:
الاول: هو اعادة القوة والصلابة إلى موقف الولايات المتحدة وحليفتها واسرائيل ازاء التمرد الايراني اذا صحت التسمية.
الثاني: ان بوش يدرك ان قضية العراق لن تفيده انتخابيا حيث انه يقضي فترة حكمه الاخيرة وهو يدرك ان الديمقراطيين اقتربوا من كرسي الرئاسة في البيت الابيض لذلك فان بوش وادارته الجمهورية يحاولان تصعيب المهمة التي تنتظر الديمقراطيين في العراق فإذا ما نجحت استراتيجية بوش
فان ذلك يعني ان اي مرشح رئاسي قادم لن يكون قادرا على العمل في قضية العراق دون استخدام مستشاري بوش واركان ادارته على اعتبار انهم يملكون مفاتيح الحل في العراق. اما اذا فشلت استراتيجية بوش وازداد الامر تعقدا
فان ذلك يعني ان المرشح القادم سوف يقع عليه عبء سحب القوات الأميركية من العراق حيث ان هذه الاستراتيجية لن تأتي اكلها الا بعد فترة طويلة هي فترة كافية لخروج بوش وبالتالي لن يكون عليه اتخاذ هذا القرار بل ان من سيخلفه سيقوم بهذه المهمة الشاقة التي هي اصعب من عملية غزو العراق.
اما النتائج المتوقعة من هذه الاستراتيجية فهي أمران ليس بينهما ثالث:
اولا: نجاح هذه الاستراتيجية جزئيا او كليا في هذه الحالة فان موازين الامور سوف تتغير واهم هذه التغيرات هو استمرار زيادة القوات الأميركية ومن جهة اخرى انهاء فترة الحكومة العراقية الحالية واستبدالها بحكومة تحمل طابعا علمانيا غير ميال لايران .
ثانيا:في حال فشل الاستراتيجية الجديدة وهو الاحتمال الارجح فان الادارة الأميركية سوف تعمد إلى انعاش هذه الاستراتيجية وسوف ترفض الاعترف بفشلها ومن جهة اخرى فانها سوف تعمد إلى تغيير الحكومة العراقية الحالية الا ان الامور سوف تزداد تعقيدا وربما سوف تمنى القوات الأميركية بخسائر كبيرة حيث سنشهد تحولا نوعيا في الهجمات ضد هذه القوات .
وبالتالي فان محاولة استراتيجية بوش الجديدة اخراج القوات الأميركية من وحل الصراع الدائر في العراق ربما سوف ينتهي إلى الدخول في نار مستعرة سوف تطال جميع الاطراف وهو امر غير مستبعد فطالما قادتنا استراتيجيات بوش الجديدة والقديمة إلى كوارث لا تحمد عقباها .
اخيرا نعتقد ان بوش اليوم يشبه إلى حد كبير القادة المنهزمين في اواخر الحرب العالمية الثانية فبدل ان يقرأ واقع الجيوش المقاتلة متغيرات الاعداء قرر ان يمضي قدما حتى وصل بجيشه إلى الخسارة المحتمة . ومع اختلاف التفاصيل الدرامية بين الاثنين.ان اميركا يجب ان تنتبه إلى ان العراق لن يكون كفيتنام بل قد يكون الخسارة الفادحة التي لن تجد ما تعوضها بل قد يكون الوبال الذي سيحطم الكثير من امجاد الولايات المتحدة.
كاتبة عراقية
okirat@sharjah.ac.ae