تتجمد أنظار الموريتانيين هذه الأيام، وتتلاحق دقات قلوبهم في انتظار الانتخابات الرئاسية المقررة ـ حتى الآن ـ في الحادي عشر من مارس المقبل، باعتبارها الحلقة الأخيرة من حلقات المرحلة الانتقالية التي بدأت بعد تغيير الثالث من أغسطس 2005.
ولان التغيير الملح عز نواله وطال انتظاره كثيرا، فقد استبشر به الجميع، جمهورا وأحزابا وقوى سياسية ونقابية ومدنية أخرى عديدة، وزادت البهجة وتعاظمت الآمال مع صدور قرارات متلاحقة من «المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية» الذي تولى السلطة بعد الإطاحة بالرئيس السابق معاوية ولد الطايع الذي حكم البلاد طوال عقدين كاملين.
وكان في مقدمة هذه القرارات قرار المجلس العسكري القاضي بمنع أعضائه وأعضاء الحكومة الانتقالية المنبثقة عنه من الترشح لأي منصب انتخابي خلال الفترة الانتقالية، وقد لقيت هذه القرارات ترحيبا واسعا من مختلف الشرائح والقوى السياسية، مما أعطى المجلس شرعية شعبية وسياسية داخليا واعترافا خارجيا لم يكن متاحا في الأيام الأولى بعد سقوط السلطة السابقة.
وجاءت الانتخابات النيابية والبلدية التي جرت في نوفمبر الماضي، لتعزز هذا المنحى وتقدم دليلا آخر على جدية المجلس العسكري ومصداقيته في الالتزام بالوعود والتعهدات التي قطعها على نفسه منذ البداية، حيث شهد الجميع بان تلك الانتخابات تمت بقدر كبير من الشفافية والنزاهة وحياد الإدارة الحكومية في تنظيمها والإشراف عليها.
غير انه لم تكد نتائج الانتخابات تكتمل حتى عاد البعض إلى التشكيك في نوايا المجلس العسكري واتهامه بدعم مرشح رئاسي على حساب باقي المرشحين، وهو ما دفع رئيس المجلس والدولة إلى الرد بغضب واضح على تلك الاتهامات، مجددا تأكيد حياد المجلس والحكومة في الانتخابات الرئاسية كما كانا في الانتخابات التي سبقتها.
لكن البعض على ما يبدو لم يقنعه ذلك النفي المتكرر، خاصة من بين الأحزاب السياسية التي كانت في صفوف المعارضة للرئيس السابق ولد الطايع. ووصل الأمر إلى حد «الاستنجاد» بقوى خارجية عبر رسائل إلى كل من الاتحادين الأوروبي والإفريقي والى جامعة الدول العربية، مطالبة بالسعي لدى المجلس العسكري بالتزام تعهداته والكف عن الانحياز لأي مرشح للرئاسة.
وقد التزم المجلس العسكري والحكومة الصمت المطبق هذه المرة تجاه تلك الاتهامات، كما رفض الرئيس الاستجابة لطلبات استقبال بعض قادة الأحزاب المشككة، وفسر ذلك على انه تعبير عن الغضب من مواقفها، وربما يمثل قطيعة معها قد تكون لها آثار سلبية عميقة على ما تبقى من المرحلة الانتقالية الحالية وعلى مستقبل الحياة السياسية برمتها،
في هذا البلد الذي ما زال في مهد تجربة ديمقراطية تحمس لها الكثيرون في الداخل وعلقوا عليها كل آمالهم في الاستقرار والازدهار الذي لم يعرفوه إلا عبر وعود كاذبة على مدى عقود وعهود، كما قوبلت خارجيا بقدر كبير من الاحترام والتقدير ونظر إليها الكثيرون على أنها قد تمثل نموذجا غير مسبوق في المنطقة كلها.
ولا شك أن الفرصة التي سنحت للموريتانيين منذ الثالث من أغسطس الماضي، غير مسبوقة وقد لا تتكرر مستقبلا، لكن السجال الحالي الحاد والمتصاعد مع ما يصاحبه من إشاعات وتكهنات قد يقضي على هذه الفرصة ويعيد البلاد إلى حيث كانت، وربما إلى الأسوأ، إن كان هناك أسوأ مما كانت فيه!
وفي غياب أدلة ملموسة وموثقة على تغير في توجهات المجلس العسكري ونكوصه عن تعهداته، فان اللوم كله أو جله يقع على أحزاب وقوى المعارضة السابقة التي يبدو أنها لم تتخلص بعد من سيطرة «المرحلة الطائعية» على مواقفها وتصرفاتها.
لقد كان الأجدى والأنفع للأحزاب والقوى السياسية أن تركز على طرح برامج مرشحيها وتقديمها للناخبين قبل الانتخابات التي لم يعد يفصلهم عنها سوى أسابيع قليلة، كما كان الأجدر بالمعارضة السابقة أن تكون أكثر حرصا على إنجاح المرحلة الانتقالية الراهنة وأشد تمسكا بترسيخ ثوابتها وأسسها، وهي التي عانت طوال المرحلة الماضية أكثر من غيرها من القوى السياسية الأخرى.
وإذا كان من المهم أن يفوز في الانتخابات الرئاسية الأجدر والأكفأ لقيادة البلاد، فان الأهم والأكثر إلحاحا هو ترسيخ التوافق الوطني والنهج السلمي لتداول السلطة والحرص على ثقة الشعب في قيادته ونخبته السياسية.فهل تعي النخبة، المدنية والعسكرية، أهمية هذه اللحظة الوطنية الحاسمة وتتدارك الوضع قبل ان يفلت من أيديها.. أم ستعود حليمة إلى عادتها القديمة؟