لو لم يعمد رئيس فنزويلا اليساري المنتخب هوغو شافيز لتأميم صناعة النفط ومؤسسات الكهرباء والطاقة عموماً والاتصالات، لما كان للولايات المتحدة سبب موضوعي حقيقي لمجابهته بالعداء إلى درجة التآمر لإسقاط نظامه. فقبل صعود شافيز إلى السلطة، كانت هذه القطاعات الاقتصادية الفنزويلية خاضعة لسيطرة رأس المال الأميركي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وما يزعج الولايات المتحدة الآن هو أن النموذج الفنزويلي، الذي اختطه شافيز قد ينتقل إلى بقية بلدان أميركا اللاتينية، بعد أن صعدت إلى السلطة شخصيتان يساريتان آخريان: نيو موراليس في بوليفيا ورفائيل كوريا في الإكوادور.. بما يؤشر إلى بداية النهاية لنظام اقتصاد السوق في ذلك الجزء من العالم.
العالم الثالث عموماً يعيش اليوم حالة مما يمكن أن يعتبر ظاهرة الاستعمار الاقتصادي الأميركي. وهي حالة تتحقق بعزل الدولة عن حركة الاقتصاد الوطني. والوسيلة التقليدية لتحقيق هذا الهدف هي توريط دولة عالمثالثية في مديونية خارجية تمهد لعملية ابتزازية أميركية لحمل الحكومة على بيع مؤسسات القطاع العام حتى تواصل عملية سداد الديون الخارجية.
تأسيساً على هذه الحقيقة فإن أية محاولة لقيادة سياسية في دولة عالمثالثية للنهوض بالاقتصاد الوطني على طريق التنمية المستدامة، لن يكتب لها النجاح إلا بعد إعادة الاعتبار للقطاع العام ـ بمعنى إخضاع حركة الاقتصاد للتخطيط المركزي وسيطرة الدولة.
هذا هو ما فطن إليه شافيز ورفيقاه البوليفي والإكوادوري، وهذا بالضبط ما يثير غضب الولايات المتحدة عليهم جميعاً. إن أفضل نموذج للتنمية النهضوية متسارعة الإيقاع في عالم اليوم يتمثل أولاً في الصين وثانياً في الهند. وبالرغم من اختلاف النظامين السياسي
فإن القاسم المشترك بين الدولتين هو أنه لولا ضبط الدولة لحركة الاقتصاد عن طريق التخطيط المبرمج وسيطرتها المباشرة أو غير المباشرة على القطاعات الاقتصادية المفتاحية، لما تمكنت أي منهما من الوصول إلى ما يطلق عليه «نقطة الإقلاع الاقتصادي» وتسجيل أعلى نسبة في معدل النمو عرفها العصر.
التحرر السياسي لأي دولة مستحيل من دون أن يسبقه تحرر اقتصادي. واقتداء بهذه القاعدة العالمية الثابتة فإن أول ما تقدم عليه الولايات المتحدة لدى استهدافها لدولة نامية، هو حملها على تنفيذ برامج خصخصة تتنازل فيها حكومة الدولة عن أهم شركات القطاع العام لبيعها، إما إلى شركات أميركية صرف أو شركات محلية تمثل بالوكالة شركات أميركية.
ولدى اكتمال تطبيق هذه البرامج تكون الدولة قد فقدت كل عنصر من عناصر السيادة الوطنية بالمعنى الاقتصادي، وبالتالي بالمعنى السياسي. فلا يبقى لها دور سوى أن تكون جهازاً عقابياً لقمع كل من يحتج على الخصخصة وتداعياتها التدميرية، وفي مقدمتها إفلاس خزينة الدولة من أرصدة النقد الأجنبي،وبالتالي عجزها الكامل عن تمويل استيراد الضروريات وتدهور الخدمات الأساسية، كالتعليم والعلاج وإمدادات الماء والكهرباء.
هذا ما يجري بالفعل في أميركا اللاتينية وإفريقيا وبعض بلدان العالم العربي باسم تطبيق مبدأ «حرية السوق».وما تخشاه الولايات المتحدة الآن هو أن النموذج الفنزويلي التحرري أصبح بمثابة صيحة تتردد أصداؤها، ليس داخل القارة اللاتينية فحسب، بل ربما تنتقل إلى إفريقيا.