في جولتها العربية، سعت وزيرة الخارجية الأميركية إلى حشد الدعم العربي لما سمي خطة الرئيس بوش للعراق كهدف معلن... وإلى تأمين موقف مساند للاستراتيجية الأمريكية ضد ايران كهدف غير معلن... مقابل هذا سعت السيدة رايس إلى تخدير المنطقة بمسكّن «انعاش خارطة الطريق» (المحتضرة منذ سنوات) من خلال لقاء مرتقب تعقده في غضون شهر مع الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الاسرائيلي.
والمتابع لحصاد هذه الجوة يدرك دون عناء أن رايس أخذت كل ما تريد مقابل لقاء ثلاثي لن يغير شيئا ويبقى رهين تصعيد اسرائيلي ورد فعل فلسطيني يمكن أن يحدثا في كل لحظة... وهذا سلوك أمريكي قديم وسبق اعتماده لتهيئة الظروف لذبح العراق واسقاط قيادته الشرعية وتدمير مؤسساته وتعريض وحدته ومستقبله للخطر...
ونحن نذكر في هذا الباب تلك الوعود باطلاق مؤتمر مدريد على أساس القرارات الأممية ومبدإ «الأرض مقابل السلام»... وهو المؤتمر الذي كان بمثابة ضربة سيف في الماء لجهة كونه لم يثمر شيئا... وحتى اتفاق أوسلو الذي أبرم على هامشه فقد نحره شارون باجتياح الأراضي الفلسطينية وتدمير مؤسسات ومكاسب السلطة على الأرض... وهو تقريبا نفس المصير الذي لاقته خارطة الطريق المجمدة منذ سنوات لكونها ترتبط بشرط التهدئة الفلسطينية الكاملة وهو ما يستحيل تحقيقه في ظل الغطرسة الإسرائيلية وما يتبعها من عربدة لآلتها العسكرية ومن اغتيالات واعتقالات ونسف للمنازل وحصار تجويعي شامل...
لذلك فإن الحديث في هذا الظرف عن تحرك أمريكي صادق وفاعل لانعاش خارطة الطريق يدخل في باب ترويج الوهم بهدف حشد الدعم العربي لسياسات وتوجهات أمريكا في المنطقة عموما وازاء ايران خصوصا... وهو ما التقطته الحكومة الاسرائيلية التي ترجمت «حسن نواياها» في تأييد هذا التحرك الأمريكي باتجاه قضية الشعب الفلسطيني من خلال اعلانها وفي نفس اليوم انطلاق برنامج ضخم لتوسيع المستوطنات في القدس الشرقية وفي عديد الكتل الاستيطانية الكبرى بالضفة الغربية.... وهو ما يبقى كفيلا بتعرية التحرك الأمريكي وافراغه من أي مضمون في كل ما يتعلق بالمطالب والحقوق العربية والفلسطينية...
فبعد كل ما حدث ويحدث، هل صرنا أمة لا تسمع وإذا سمعت لا تعي ولا تفهم؟ ولماذا نصر على هذا الاستعداد العجيب للانخداع بهذه السياسات الأمريكية التي ظلت تبيعنا الوهم والسراب مقابل خطوات واجراءات عملية تسهل تنفيذ الاستراتيجيات الأمريكية ـ الاسرائيلية والتي بدأت بتدمير العراق ولن تنتهي عند تقليم أظافر إيران؟
عبد الحميد الرياحي