استقالة رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي دان حالوتس جاءت متأخرة جدا ، فمقدار الفشل الذي مني به في العدوان الإسرائيلي على لبنان كان يستدعي استقالة فورية بعد الحرب. ولكن من الواضح أن الأزمة السياسية التي تمر بها حكومة أولمرت وما زالت منذ وقف إطلاق النار هي دليل على أن الدولة العبرية تدفع هي الأخرى ثمنا باهظا لغياب السلام والاستقرار المستدام في المنطقة. لقد ذهبت إلى غياهب النسيان منذ زمن طويل تلك الأسطورة التي روجت لها إسرائيل ومفادها أنها دولة تسعى إلى السلام مع جيرانها العرب الذين يريدون تدميرها.

في السنوات الماضية اتفقت كل الدول العربية على سلوك مسار السلام والتسوية وإن كان ذلك بإيقاعات مختلفة وأهداف متباينة ولكن الخيار العربي الاستراتيجي كان نحو السلام. في المقابل لم تبد إسرائيل أي توجه للتخلي عن سطوة ثقافة الحرب والعدوان التي شكلت أسس قيامها ويبدو أنها العمود الفقري الوحيد لاستمرارها.

في مقابلات مختلفة خلال العام الماضي مع صحف أوروبية وأميركية ، قال جلالة الملك أن على إسرائيل أن تختار ما بين السلام الحقيقي الذي يعني إعادة الحقوق إلى اصحابها والتخلي عن النزعة العدوانية أو الاستمرار في عقلية "القلعة" التي تجعل إسرائيل تحس بأنها لا يمكن أن تكون قوية إلا في حال العدوان.تؤكد الأحداث المستمرة في المنطقة أن إسرائيل هي التي تعطل السير نحو السلام وهي التي ما زالت غير قادرة على التخلي عن خطاب غطرسة القوة ، ولكنها أيضا تدفع ثمن غياب السلام وسيعتمد مستقبل المنطقة على الوقت الذي سيحتاجه صانع القرار الإسرائيلي حتى يقتنع بحتمية مد يد السلام الحقيقية لا المخادعة.

تتساقط الأقنعة بشكل سريع لتظهر حقيقة الدولة العبرية في أنحاء العالم ، وحتى وسائل الابتزاز والتهديد المعتادة لن توقف كثيرا من المثقفين والكتاب والسياسيين الشجعان في الغرب عن كشف حقيقة دولة الفصل العنصري كما فعل الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر. وفي داخل إسرائيل أصوات كثيرة بدأت تخرج من دوامة نتائج ما بعد العدوان على لبنان لتشير إلى أهمية الحل السياسي السلمي مع الدول العربية. ربما تستطيع إسرائيل تعطيل اية مبادرات حقيقية نحو السلام في المنطقة ، وتستطيع أن تقيم لنفسها حاجزا واقيا من أي ضغط سياسي أميركي من خلال اللوبي الصهيوني المسيطر على القرار السياسي في البيت الأبيض وتستطيع أن تخفف من وطأة الانتقادات الأوروبية باستخدام الأسلوب الابتزازي في توزيع تهم اللاسامية ، ولكن من الواضح ايضا لن تستطيع عكس عجلة الأحداث أو تغيير تاريخ المنطقة.

التفوق العسكري الأسطوري تم تهشيمه في العدوان الأخير على لبنان ، ومواجهات إسرائيل مع تصاعد قوى المقاومة الشعبية في العالم العربي ستكون خاسرة للدولة العبرية والسبيل الوحيد أمام ساسة إسرائيل هو البحث عن سلام مستدام قابل للاستمرار والدفاع عنه من قبل الدول العربية وشعوبها ، وهذا لن يتم إلا بإعادة الحقوق الفلسطينية والعربية إلى أصحابها.

وفي المقابل فإن كل المغامرات العسكرية الحمقاء والتعطيل السياسي لن تؤدي إلا إلى أن تدفع الدولة العبرية ثمنا باهظا لغياب السلام خاصة عندما تصبح هذه الدولة عبارة عن معكسر حرب لا يستطيع البقاء إلا بحشد الخوف ضد التهديد الخارجي. إنها عقلية القلعة التي قرر الإسرائيليون أن يتمترسوا بها بعيدا عن دعوات السلام والأمن الصادقة.