لا شيء في العراق يدعو إلى التفاؤل، ولو على المدى البعيد. فالإدارة الأمريكية مصممة على نهجها الرافض لأي حوار مع جماعات المقاومة، والحكومة العراقية غير قادرة على إقناع هذه الجماعات بالانخراط في العملية السياسية، فيما تتواصل العمليات المسلحة وسط توقعات بأن تزداد وتحصد مزيدا من الأرواح.

هذا ليس الوجه الوحيد للأزمة العراقية، فهناك أيضا صراع بدأت تتضح معالمه بين الميليشيات ذات الطابع الطائفي، خصوصا بين من يرفضون الامتثال لسلطة الحكومة ويصرون على تحقيق أهدافهم بالسلاح من جهة، ومن يرون في توجهات الحكومة ممرا لهم كي يحققوا أهدافهم دون ضجيج من جهة ثانية، والخطير في مثل هذا الصراع أنه قد يضع الحكومة ذاتها في مواجهة مع قوى نافذة داخلها، ومن ثم تعرضها لانشقاقات وهزات ستفقدها الكفاءة في مواجهة المنحى الطائفي الذي تنزلق إليه الأزمة بسرعة لم تكن متوقعة.

وبالمثل لا يقل الخلاف الآخذ في التصاعد بين الأكراد من جهة والعرب السنة من الجهة الثانية حول مستقبل مدينة كركوك خطرا، إذ إن المؤشرات تؤكد أن كلا الطرفين يتجه لتفعيل تحالفاته الخارجية لمنع الطرف الآخر من تحقيق هدفه، والذي يدفع للقلق أن الأكراد الذين يملكون ما يشبه الجيش النظامي، ولديهم تأثير كبير داخل الحكومة والبرلمان، لا يستبعدون استخدام كافة الوسائل لضم المدينة إلى مناطق يؤسسون فيها لإقامة دولة مستقلة.

حتى الاستراتيجية التي قدمها الرئيس الأمريكي جورج بوش مؤخرا، لا تحمل أي دافع للتفاؤل، فالنظرية القديمة والقائمة على أن السلاح هو الوسيلة الناجعة لتحقيق النصر، لم يطرأ عليها أي تغيير رغم ما تضمنته من اعتراف بالأخطاء، كما أن الحديث عن التصدي للتغلغل الإيراني والدعم السوري للمسلحين، يحمل في طياته مؤشرات على أن الأزمة ستزداد تعقيدا، وربما تحولت إلى عقدة إقليمية جديدة، تشبه عقدة الصراع العربي الإسرائيلي الباحثة عن حل منذ حوالي 60 عاما.

والحاصل أن كل يوم يمر، دون التوصل إلى حل جذري للأزمة العراقية يدفعها باتجاه نقطة اللاعودة، وهذا بالضبط ما يحتم على الدول العربية سيما التي اجتمع وزراء خارجيتها مع وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس قبل يومين، أن تكثف من تحركاتها، بحثا عن نافذة أمل تنقذ العراق من وضعه الحالي، وتحميه في الوقت ذاته من الوقوع فريسة لقوى إقليمية، لا هم لها سوى مصالحها الضيقة.