الكثيرون في العالم العربي يكابرون ويقولون لك بأنه لا توجد عندنا محاكم تفتيش على عكس ما حصل في أوروبا إبان القرون الوسطى وعصور الظلام. ومعلوم أن الإخوان المسيحيين في الغرب كانوا يلاحقون المفكرين والعلماء على أفكارهم التحررية ونظرياتهم الجديدة طيلة تلك العصور بل وحتى القرن الثامن عشر أو ما بعده فيما يخص اسبانيا والبرتغال.

وكانوا يحرقون المفكر أو يلقون كتبه طعمة للنيران إذا ما ثبتت إدانته أمام المحاكم اللاهوتية التي نصبها الفاتيكان في كل أنحاء القارة الأوروبية. وفي أضعف الأحوال كانوا يضعون كتب الفلاسفة على قائمة الكتب المحرم تداولها كما حصل لديكارت وعشرات الآخرين. وعندئذ يتحاشى الجمهور العام قراءتها لأنها أصبحت رجساً من عمل الشيطان بعد أن أصدر البابا فتوى بإدانتها وتحريمها.

أما المصلح الديني التشيكي المعروف يوحنا هوس فقد اتهم بالهرطقة وأعدم حرقاً على طريقة محاكم التفتيش عام 1415، أي في بدايات القرن الخامس عشر. ثم ثبتت صحة مقولاته بعد مئة سنة من ذلك التاريخ. وأما العالم والفيلسوف الإيطالي جيوردانو برينو فقد قطعوا لسانه وحرقوه في مبنى الفاتيكان نفسه عام 1600. وقس على ذلك.. وأما معظم مفكري أوروبا في ذلك الزمان فكانوا هاربين من أوطانهم ويعيشون في المنفى أو في ظروف قلقة باستمرار. كانوا خائفين على أنفسهم في أي لحظة وبعض مؤلفاتهم لم تنشر إلا بعد موتهم.

والآن نطرح هذا السؤال: ألا يمكن القول بأن العالم الإسلامي يعيش الآن مرحلة محاكم التفتيش التي هدأ أوارها في أوروبا وانطفأ منذ زمن طويل؟ أليس ذلك دليلاً على مدى تأخرنا بالقياس إلى المجتمعات المستنيرة والمتحضرة التي تحترم علماءها وفلاسفتها؟ ألا يعني ذلك أن المسافة التي تفصل بيننا وبين الغرب تصل إلى مئتي سنة أو حتى ثلاثمئة سنة؟

لننظر في الأمور عن كثب. كان المفكر الباكستاني فالزر رحمان أحد كبار المختصين بالدراسات القرآنية والإسلامية. وقد شغل عدة مناصب في الجامعات الباكستانية وفي المعهد المركزي للبحوث الإسلامية في كراتشي. وكان ضليعاً في العلوم الإسلامية والفلسفة الحديثة التي درسها في انجلترا في آن معاً. وقد حماه الرئيس محمد أيوب خان لفترة قبل أن ينقض عليه التقليديون المتحجرون ويتهمونه في عقيدته. وعندئذ لم يعد حتى رئيس الدولة قادراً على حمايته.

وبعد أن تلقى تهديدات بالقتل اضطر إلى مغادرة وطنه والذهاب إلى الولايات المتحدة عام 1968. وهناك أصبح أستاذا في كبريات الجامعات الأميركية، قسم الدراسات الإسلامية، حيث قاد بحوثه بكل حرية حتى تاريخ موته عام 1988. فمن سمع باسمه في العالم العربي يا ترى؟ وهل يدرسون أفكاره ونظرياته الجريئة والتجديدية عن التراث العربي الإسلامي؟ الكل يسمع باسم أبو الأعلى المودودي، معاصره، ولكن لا أحد يسمع باسم فالزر رحمان لأن الأول ـ في رأيي ـ أصولي سلفي منغلق في حين أن الثاني كان مجدداً مبتكراً دون أن يتخلى عن إيمانه الإسلامي العميق.

والآن لننظر في حالة المفكر الإيراني عبد الكريم سورش الذي لاقى نفس المصير بعد أن حاول تجديد الفكر الإسلامي في جامعة طهران. ولكن الملالي والأصوليين المتحجرين عقلياً لم يستطيعوا تحمل هذه الجرأة الفكرية فهددوه وضايقوه. وعندئذ هرب إلى بلاد الشيطان الأكبر، أي الولايات المتحدة، حيث لا يزال يعيش ويكتب حتى الآن. والبعض يصف سورش بأنه «لوثر الإسلام» أي مجدده ومصلحه الديني الكبير. وهو يعتقد أن الحب والتسامح والشفقة على الفقير والمظلوم وابن السبيل هي القيم التي تشكل جوهر الدين. وذلك على عكس المتزمتين الذين يعتقدون بأن العدوان أو التكفير أو العقاب الصارم هو الجوهر والأصل.

أما عن العالم العربي فحدث ولا حرج.. فلا أحد يستطيع الخوض في الشؤون الدينية إلا وهو يضع يده على قلبه. والبعض يدفعون الثمن غالياً كما حصل للمفكر السوداني محمود محمد طَه الذي اغتالوه شنقاً عام 1985 ولم يرحموا شيخوخته بعد أن تجاوز الخامسة والسبعين. وسوف تبقى وصمة عار في جبين ذلك العهد المشؤوم، عهد جعفر النميري، انه قتل هذا العالِم المسلم المؤمن لأنه كان مجدداً يفهم رسالة الإسلام بشكل مستنير يتجاوب مع روح العصور الحديثة: أي روح التطور والتقدم. ومعلوم أنه ألف كتاباً حول ضرورة تجديد الفقه والتشريع في الإسلام.

أما قصة نصر حامد أبو زيد فمعروفة ولا داعي للتوقف عندها كثيراً. ولولا أنه هاجر إلى أوروبا، هولندا تحديداً، لربما تعرض لنفس المصير على يد الظلاميين الذين يرفضون تطبيق المناهج الحديثة على الدراسات القرآنية أو على التراث ككل. والواقع أن العديد من المجددين للفكر الإسلامي أصبحوا منفيين في بلاد الغرب لكي يعيشوا بأمان ويكتبوا بحرية بعيداً عن سيف الرقابة المجتمعية والأصولية. نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر عبد الوهاب المؤدب، ومالك شبل، ومحمد أركون، ورشيد بن زين، وآخرين عديدين. والأول ألف كتاباً بعنوان: مرض الأصولية.

فهل كان سيجرؤ على نشره لو بقي في تونس؟ وأما الثاني فألف كتاباً بعنوان: بيان من أجل إسلام التنوير، ثم أردفه بآخر بعنوان: الإسلام والعقل: معركة الأفكار. ولو أنه عاد إلى مسقط رأسه في الجزائر لربما كفره البعض وأمر بقطع رأسه.. وأما الثالث فهو صاحب كتاب نقد العقل الإسلامي ومدشن أكبر مشروع راديكالي في تاريخ الدراسات الإسلامية على مدار العالم كله.

والبعض يعتبره أهم مفكر ظهر في الإسلام منذ ابن رشد وحتى اليوم. وقد أشرف مؤخراً على صدور كتاب موسوعي ضخم ساهم فيه ما لا يقل على سبعين باحثاً عربياً وفرنسياً تحت عنوان: تاريخ الإسلام والمسلمين في فرنسا منذ العصور الوسطى وحتى اليوم (1200 صفحة من القطع الكبير). وأما الرابع فقد اشتهر مؤخراً بإصداره لكتاب ممتع تحت عنوان: المفكرون الجدد في الإسلام. وفيه يستعرض أفكار ونظريات بعض كبار المجددين في مجال الدراسات العربية الإسلامية كأمين الخولي، ومحمد أحمد خلف الله، وعبد المجيد الشرفي، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، وفالزر رحمان وآخرين عديدين.

وماذا يمكن أن نقول عن منع رواية نجيب محفوظ أولاد حارتنا من قبل الأوساط المحافظة في الأزهر؟ أليست هذه محاكم تفتيش؟ أليست هذه رقابة على العقول والإبداع والحرية الفكرية؟ ومن يستطيع أن يتخيل محاولة اغتيال كبير الآداب العربية بعد أن تجاوز الثمانين؟ وماذا يمكن أن نقول عن شهيد الفكر و«الحقيقة الغائبة» الدكتور فرج فودة؟ فقد دفع الثمن الأعظم نتيجة جرأته وأفكاره المتنورة ودفاعه عن المصلحة الوطنية العليا في مصر. وهناك آخرون كثيرون ممن اشتهرت أسماؤهم أو لم تشتهر.

كلهم يدفعون ضريبة الفكر وحرية الكلمة بشكل أو بآخر. وسوف يظل الأمر كذلك حتى تشرق شمس الحرية على العالم العربي يوماً ما. ولكن متى؟ هذا سؤال لا يستطيع أحد أن يجيب عنه الآن. فالعالم العربي والإسلامي كله دخل في صيرورة تاريخية طويلة ومعقدة تشبه ما حصل في أوروبا عندما حاولت الخروج من العصور الوسطى بصعوبة بالغة الأمر وألم مرير. وبعد أن تنتهي هذه المرحلة يمكن أن ينبثق النور من رحم الظلام أو قل يمكن لشعاع النور أن يلمع في نهاية النفق التاريخي المظلم والطويل.

كاتب سوري ــ باريس