في تصريح للصحافيين قالت وزيرة الدفاع الفرنسية ميشيل أليو ماري «أعتقد أن الفرنسيين باتوا مستعدين تماما لانتخاب امرأة لرئاسة البلاد». ففي سنة 1972، 52% فقط من الفرنسيين قالوا إن المرأة مؤهلة لشغل منصب رئيس الجمهورية، هذه النسبة قفزت إلى 94% السنة الماضية. هذا يعني أن هناك انفتاحاً كبيراً جدا على إقحام المرأة في المجال السياسي.
لأول مرة في التاريخ السياسي الفرنسي يرشح حزب سياسي امرأة للاستحقاقات الرئاسية. من جهة أخرى نلاحظ أن جيلا جديدا في الخمسينات من العمر مقبل على اقتحام سدة الحكم في فرنسا وهذا شيء لم تعهده بلاد نابليون بونابرت منذ عقود من الزمن. لقد بات من المؤكد أن كرسي الرئاسة في الاستحقاقات القادمة في شهري ابريل ومايو سيكون بين سيجولين روايال مرشحة الحزب الاشتراكي ونيكولا ساركوزي وزير الداخلية في حكومة دومنيك دوفليبان ومرشح اليمين،حزب صحذ حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية.
الصراع احتدم خاصة بعد تزكية اليمين لساركوزي والانسحاب الهادئ لكل من جاك شيراك ورئيس وزرائه دومينيك دو فيليبان ووزيرة الدفاع ميشيل أليو ماري.
احتدم الصراع على كرسي الرئاسة الفرنسية بين روايال مرشحة الحزب الاشتراكي وساركوزي، وزير الداخلية الحالي ومرشح اليمين قبل الحسم الرسمي في أقل من مائة يوم أي في شهري أبريل ومايو 2007. حسب المحللين تمثل روايال انعطاف تاريخي في السياسة الفرنسية حيث أنها بصدد إحداث ثورة في التقاليد والعرف السياسي الفرنسي الذي يعتبر ذكوري بالدرجة الأولى.
روايال تراهن على حل المشكلات التي يتخبط فيها المجتمع الفرنسي والتي تتمثل في ارتفاع البطالة والركود الاقتصادي وزحف العولمة. كما أنها تراهن على شعبيتها في أوساط المرأة الفرنسية والطبقة العاملة والمحرومين. روايال تتميز بتواضعها وبشخصيتها القوية وعنادها السياسي الكبير. فهي المرأة التي قال عنها ميتران بأنها «نموذج إغريقي».
روايال استطاعت أن تهزم في الحزب الاشتراكي كل من لوران فابيوس ودومينيك شتراوس، سياسيان محنكان كما يعتبر كل واحد منهما من أعمدة الحزب. تزكية الحزب لها يعد بمثابة ثقة كبيرة وضعها مناضلي الحزب في امرأة عرفت كيف تتحول من لا شيء إلى امرأة حديدية تتميز بقوة الشخصية والثقة بالنفس والقدرة على تنظيم أفكارها والمهارة الكبيرة للوصول إلى قلوب محبيها.
ما هي حظوظ روايال يا ترى؟ وهل المجتمع الفرنسي جاهز لتحكمه امرأة؟ ما هي المعطيات في الميدان وما هو موقع المرأة في الخريطة السياسية الفرنسية؟ ما هو نصيبها من الوظائف السياسية؟ ما هو نفوذها؟ وما هو دورها في الممارسة السياسية وصناعة القرار؟ ما هي المناصب التي تشغلها المرأة الفرنسية سواء على مستوى البلديات أو المجالس الجهوية أو الجمعية الوطنية. الميدان يقول أن الحياة السياسية الفرنسية ما زالت ذكورية بامتياز، حيث أن 11 ,6 % فقط من رؤساء 3600 بلدية منتشرة في ربوع فرنسا هم نساء، هذه النسبة تعتبر ضئيلة جدا مقارنة بنسبة الإناث للذكور في المجتمع بصفة عامة.
السؤال الثاني الذي يطرح نفسه في إشكالية نجاح سيجولين روايال في الوصول إلى سدة الحكم في فرنسا هو هل تستطيع مرشحة الحزب الاشتراكي أن تهزم نيكولا ساركوزي مرشح حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية، حزب الرئيس جاك شيراك ورئيس وزرائه دومينيك دو فيليبان. ساركوزي يتمتع بشخصية قوية واستطاع أن يهزم بلباقة كبيرة جدا ودبلوماسية لا مثيل لها كل من الرئيس شيراك ودوفيليبان اللذان انسحبا من خوض معركة الحصول على تزكية الحزب.
حيث أن أخر استطلاعات الرأي العام تشير إلى أن 81% من الفرنسيين يعارضون ترشيح الرئيس شيراك لولاية ثالثة. فهذا الارتباك في صفوف حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية قد يعتبر فرصة ذهبية لسيجولين روايال للتقدم لكسب أصوات أكثر. لكن تزكية يوم الأحد الماضي 14 يناير لنيكولا ساركوزي من طرف حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية يعني أن هذا الأخير قد دخل معترك المنافسة على كرسي الرئاسة بقوة كبيرة وبثقة في النفس لا مثيل لها إذا اعتبرنا أنه أستطاع أن يتخلص من كل من الرئيس شيراك ورئيس وزرائه دوفيليبان ووزيرة الدفاع ميشيل ألو ماري. فهناك من يرى أن ساركوزي سيفوز بسدة الحكم في الدور الثاني على حساب روايال.
بدأت مرشحة الاشتراكيين حملتها الانتخابية من بوابة الشرق الأوسط، لبنان، ثم إسرائيل وفلسطين مراهنة على الجاليتين العربية واليهودية المتواجدتين في الأراضي الفرنسية. روايال تراهن على كسب أصوات الفرنسيين من أصل عربي والمسلمين البالغ عددهم خمسة ملايين.. كما زارت روايال الصين، هذا البلد العملاق الذي يتميز بمكانة كبيرة في العلاقات الدولية وبحجم أكبر في المجال الاقتصادي حيث تعتبر الصين من أكبر الدول نموا في العالم.
روايال تناولت قضية حقوق الإنسان في الصين بحيطة وحذر مع الصحفيين. فهي تحاول تسويق نفسها دوليا لكنها لا تتمتع بخبرة كبيرة في مجال السياسة الدولية والشؤون الخارجية وتأتي زيارتها للصين بعد زيارة للشرق الأوسط، أعتبرها البعض فاشلة حيث ارتكبت خلالها روايال أخطاء عديدة وزلات انتقدتها الصحافة بشراسة.
ما زال من المبكر التنبؤ بهوية الرئيس الجديد لفرنسا. فمن جهة نلاحظ الانطلاقة القوية لسيجولين روايال مستغلة ارتباك حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية. هذا الحزب الذي راهن بوزيرة الدفاع لمحاصرة نيكولا ساركوزي لكن بدون نتيجة. كما تردد شيراك في تزكية ساركوزي وفيما أن يرشح نفسه أم لا.
أما دومينيك دوفيليبان فقد أعلن إفلاسه مبكرا وبقي يسير في ظل الرئيس شيراك حيث أعلن أنه غير مستعد لتزكية ساركوزي كمرشح لحزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية. ومن الانتقادات التي وجهت للحزب الحاكم عدم حضور كل من الرئيس شيراك ودوفيلبان في تجمع الحزب لتزكية ساركوزي وهذا يعني أن صفوف الحزب غير متناغمة وموحدة وهذا قد يؤثر سلبا على حظوظ ساركوزي للفوز بكرسي الرئاسة.
من جهة ثانية يرى المحللون أن نيكولا ساركوزي سينطلق قريبا بحملة قوية يقلص من خلالها الفارق بينه وبين روايال. كما يرى المحللون أن ساركوزي يتمتع بخبرة أكبر ولديه قوة البديهة والشخصية والكاريزما الأمر الذي سيسمح له بقلب الموازين في الأسابيع والأشهر القادمة وتقليص الفارق في النقاط في المراحل الأخيرة من الحملة الانتخابية.
و من السلبيات التي تؤخذ على ساركوزي عدم نجاحه في التعامل مع أحداث ضواحي باريس في خريف 2005، وتلفظه بكلمات تخرج عن نطاق اللباقة والأخلاق والايتيكت استاءت منها الجالية العربية والمسلمون المقيمون في فرنسا. ويرى البعض أن هذا التصرف العنصري، إضافة إلى مشروع الهجرة الانتقائية الذي تبناه ويحاول تطبيقه بمختلف الوسائل قد يكلفه مئات الآلاف من الأصوات. كما يعاني ساركوزي من الوضع داخل حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية وخاصة موقف الرئيس شيراك ودوفيليبان وهذا يعني أن قوى الحزب غير موحدة وهذا ما يسّهل مهمة روايال في ترجيح الكفة لصالحها ولتصبح بذلك أول امرأة تعتلي كرسي الرئاسة في فرنسا.
كلية الاتصال جامعة الشارقة
okirat@sharjah.ac.ae